الحج مدرسة

2021-07-18

يختلف الباحثون في تحديد مفهوم القيم بحسب اختلاف المرجعية الفكرية لكل منهم، ويتفقون على أن القيم مجموعة من الأحكام المعيارية المتصلة بمضامين واقعية وسلوكية تتشربها نفس المرء، ويعيها فكره، ولا شك في أن قيم المسلم تنبع عن أصلين متينين: كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويكتنز الحج كثيرًا من القيم التي يتربى عليها أفراده في الأيام المعدودة من خلال ما يؤديه الحاج من أركان وواجبات ومستحبات، وما ينكف عنه من محظورات.

ومدرسة الحج تزخر بكثير من القيم لأفرادها الحجيج المنضمين في أروقتها، إذ أن هذه العبادة رمت إلى قيمة الوحدة التي تبلورت لدى الحاج عبر سلوكياته وممارسته في المناسك والشعائر كافة، يمدها الإيمان بدفقاته، وتربيها شعائر الزمان والمكان والملبس في نفس الحاج؛ لأن الحجاج وقفوا على صعيد عرفات مع ما بينهم من اختلاف الألسنة والألوان يبتغون فضل ربهم ورضوانه، لبسوا زيًا واحدًا، ووقفوا في مكان واحد، والتزموا بمكان واحد، ويعبدون ربًا واحدًا، ويقتفون سنة نبي واحد، وهذه هي الوحدة التي لم يرَ الكون وحدة تماثلها أو تباريها، ولكن هل فَقِه الحاج هذا المقصد من خلال نسكه؟ ولو فقهه لما بقيت نزاعات ولا طائفية، ولولى زمان العنصرية والإقليمية، ولانتشر التعاون والتآزر، وتصافت القلوب واجتمعت كاجتماع الأبدان على صعيد عرفات.

لقد ربى الحج أفراده على السلام بدءًا من إهلالهم وانتهاء بطوافهم الوداع، قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ}، لقد جعل الله بيته مثابة لناس وأمنًا من دخله سلم من الأذى حتى لو كان حيوانًا أو جمادًا، فلا قول نهي ولا عمل بغي ولا فسوق ولا جدال ولا صيد ولا تنفير ولا قطع شجر ولا أخذ لقطة؛ لكن العجيب أن ينكف الحاج عن تنفير الصيد وقطع الشجر ولا ينكف عن إيذاء الحجيج، وفد الله الذين هم من شعائر الله وقد نهى الله عن إحلالهم فقال {لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام}. وما السبب في عدم اجتناب بعضهم الشجار والعراك ورفع الأصوات وكأنهم في حلبة صراع أثناء نسكه وقبل مغادرته المشاعر؟

 

وأما قيمة التكريم فقد سعى إليها الحج في فرضيته، إذ أنه عبادة مشروطة بالاستطاعة المادية والمعنوية، وفي هذا تأكيد على تكريم المسلم في كل أمره في إقامته وظعنه، وفي حياته وبعد مماته، وليت هذه القيمة تنعكس على بعض الحجيج الذين لم يدركوا هذا المقصد السامي حين يستغلون موسم الحج للاقتيات على صدقات المسلمين وأموال المستضعفين، واللهث وراء الزهيد في ظاهرة مؤذية تعكس أداء الركن الخامس بلا استشعار معانيه!

وفي الحج يتجلى استشعار موقف القيامة وعرصات اليوم الآخر، لأن اجتماع ملايين البشر على بقعة صغيرة بلباس واحد مزدحمين يذكر المؤمن بالمثول أمام الله ليس معه إلا رحمة ربه وما قدمه بين يديه من عمل، والمتأمل لمطلع سورة الحج يرى تذكير الله للمسلم بالموقف، وفي هذا شحذ لهمة الحجيج على ضرورة التوبة والندم، وعدم الاستمرار على التفريط بعد أن عاش المسلم أجمل لحظات عمره الإيمانية، وتنفس نسماتها الروحانية، وتطلع إلى ميلاد جديد «خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

إن الحج مختبر ووعاء يعكس رقي العالم الإسلامي أو انحطاطه، لأن من خاض تجربة الحج يخرج أنه لا منظم لسلك الحجيج مثل تنظيم أفكار الحجاج أنفسهم مهما بذلت الدولة والسلطات من جهد مشكور، وأن الحاج إذا لم يعِ مقاصد الحج وقيمه فلا في شك أننا سنرى سلوكيات مؤذية نربأ بآمين بيت الله عنها في أثناء نسكهم وبعده، مما يؤكد ضرورة اعتماد مادة مقاصد العبادات في مناهج التعليم، ضرورة تبني مشروعاً توعوياً بكل اللغات يهدف إلى تربية فكر الحاج وتفقيهه بمقاصد الحج وقيمه، فيرجع بعد أن أنهى حجه بقيم حضارية تؤثر في مسيرة حياته وسلوكه. سلم الله حجاج بيته وأعادهم إلى ديارهم سالمين غانمين.

إضاءة: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صيام يوم عرفة فقال: «يكفر الله به السنة التي قبلها والتي بعدها».

لاتوجد تعليقات حاليا!

button

إقرأ أيضا

حق المحضون 2

:  2021-09-23

:  5

حق المحضون 1

:  2021-09-20

:  7

حاجتنا إلى الهدي النبوي

:  2021-09-16

:  8

الذكاء العاطفي

:  2021-09-13

:  7

أنت أحق به مالم تنكحي

:  2021-09-09

:  8

أعوج ما في الضلع أعلاه

:  2021-09-06

:  6