غارت أمكم

2021-10-04

تعال معي ندلف بيت الحبيب -صلى الله عليه وسلم-،  ونرى أصحابه قد اجتمعوا حوله ينهلون من معين علمه، ونبع حكمته، وتقع أبصارنا على زوجته عائشة -رضي الله عنها- قد اشتغلت بإعداد الطعام لزوجها الحبيب ولضيوفه الكرام، وبينما هي كذلك إذ تفاجأ بالخادم يحمل بين يديه صفحة فيها طعام، قد بعثتها إحدى زوجات الرسول -صلى الله عليه وسلم- إليه، ولم ير صانعة طعام تجيد الطهي مثلها، فتتحرك حمية الغيرة في خواطر عائشة، وتحتدم عواطفها، وتغتم لمرأى الطعام من ضرتها البارعة في الطهي، التي سبقتها في إرسال الطعام إلى زوجها وضيوفه في بيت عائشة، فلا تملك نفسها حتى تضرب الإناء، فيتصدع ويتناثر على الأرض بما فيه على مرأى ومسمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وذلك قبل فرض الحجاب، وهو يلمح ذلك بطمأنينة وهدوء، ويتنفس هموم حبيبته، ويعذر الغيرى، لأن لديه من الإنسانيات المرتفعة، وفهم النفسيات ما يعجز علماء النفس بأسرهم مجتمعين أن يأتوا على نقطة من بحره، ويعرض الحبيب عن لومها وعتابها، ويضرب عن تأديبها ولو بالكلام، ويهوي بتواضعه الجم إلى فلق الصفحة، وأشلاء الطعام فيجمعها من الأرض وهو يردد، ويتودد بأرق عبارة، وأعذب بيان، وأجمل اعتذار: " كلوا غارت أمكم" فيأمر أصحابه بعد أن جمع الطعام من على الأرض أن يأكلوا، ويعتذر لعائشة لئلا يحمل صنيعها على ما يذم بل على ما يجري على عادة الضرائر من الغيرة، فإنها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها، وهي أمكم فلا ينبغي أن تعيبوا فعلها، ألا ما أروع تلك الكلمات النبوية الندية المرضية التي يسدل بها الستار على المشهد المتكرر في بيت النبوة، ومع تقديره -صلى الله عليه وسلم- لمشاعر الغيرة إلا أن المتعدي بالخطأ لا بد أن يتحمل خطأه، فالصفحة المكسورة لا بد أن يرد نظيرها لأصحابها، فيأمر عائشة أن تدفع إناء بدل الإناء الذي تعدت عليه بالكسر، فدفع الصفحة الصحيحة إلى المهدية وحبس المكسورة في بيت عائشة واقتصر على تغريم القصعة، ولم يغرمها الطعام؛ لأنه كان مهدى فإتلافه في حكم القبول، فسوى بينهما في الضمان "إناء كإناء" وهذا عين العدل، ومحض القياس، وتأويل القرآن وعلى هذا نص الإمام أحمد: فيمن كسر شيئًا صحيحًا إن كان يوجد مثله فمثله، وإن لم يجد فقيمته.

    ألا ما أعظم ما كان عليه نبي هذه الأمة وهاديها من الرفق العظيم، والصبر الجميل، والتصرف الحكيم مع نسائه -رضي الله عنهن- وأثر ذلك الخلق القويم في تهدئة المشاعر الثائرة، واحتواء الأزمات الطارئة، وعلاجها، وتفادي الأضرار المحتملة.

سأترك لخيالك العنان ليتصور نفسه مكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما هو فاعل، ثم ليراجع نفسه وليسر على أثر رسول الله ويقتد به، فإن الله قد زكى عظيم خلقه.

لاتوجد تعليقات حاليا!

button

إقرأ أيضا

كل نفس ذائقة الموت

:  2021-10-20

:  5

عورة المسلم

:  2021-10-07

:  10

ضحايا الشح

:  2021-09-28

:  10

حق المحضون 2

:  2021-09-23

:  11

حق المحضون 1

:  2021-09-20

:  10

حاجتنا إلى الهدي النبوي

:  2021-09-16

:  11