ضحايا الشح

2021-09-28

إن المتابع لأحوال الناس يلحظ تغيرًا ظاهرًا في السلوك، و إهمالًا لتزكية النفوس، وما ذاك إلا لغرق الناس في الماديات، واسترسالهم في الشكليات، وبعدهم عن -مشكاة الهداية والفلاح- كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومن السلوكيات السيئة التي لو لم يأت الإسلام بذمها لترفع عنها أشراف الرجال الشح، وأقبح الشح إمساك نفقة من تلزم نفقته أيًا كان زوجة أو ابنًا أو والدًا أو أخًا، ومن يتابع القنوات الفضائية -خاصة فيما يتعلق بالمشكلات الأسرية- أو يسمع أحاديث النساء في مجالسهن الخاصة أو العامة يقف على شكوى كثير من النساء عن إمساك الرجال عن النفقة ولا سيما المطلق إن كان له أطفال؛ بل وقفت على قضايا طلق الرجل فيها المرأة، وله منها مجموعة من الأطفال ولم ينفق على أولاده البتة، ولم تستطع المطلقة أن ترفع قضية مطالبة بالنفقة خوفًا من أن يأخذ الأولاد عنده، وإن رفعت القضية وحكم لها بالنفقة صارت كمتسول يطلب صدقة وإحسان المتفضل.

      إن هذه القضايا وغيرها كثير تحتاج منا إلى وقفة مراجعة لأسباب سلوك سيء أخشى أن يتحول إلى ظاهرة مالم نقم بعلاجه، واجتثاث أسبابه، فما الذي يمنع الرجل من الإنفاق على من تحت يده أو على أطفاله إن كانوا من مطلقته؟ ألسنا نؤمن بقوله تعالى {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله}! يقول القرطبي -رحمه الله- "أي: لينفق الزوج على زوجته، وعلى ولده الصغير على قدر وسعه حتى يوسع عليهما إذا كان موسعًا عليه، ومن كان فقيرًا فعلى قدر ذلك" بل إن الله أثبت قوامة الرجل على المرأة، وأناط ذلك بأمرين: الفضيلة، والنفقة  {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}؛ بل كانت وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للرجال في حجة الوداع قبل وفاته ببضعة وثمانين يومًا  الرزق والكسوة، وفي حديث جابر الطويل: "فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" وأخرج الإمام أحمد من حديث معاوية بن حيدة أن رجلا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما حق المرأة على زوجها؟ قال: "تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت"  وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحبس لأهله قوت سنتهم، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب النفقة بالمعروف وعدم إتباع النفقة منًا ولا أذى، ومع ذلك نلحظ الإعراض من قبل بعض الرجال مما يثير حافظة المصلحين إلى البحث عن الأسباب لاتخاذ الحلول، هل السبب الطريقة الخاطئة في تنشئة الجيل؟! إذ إن الولد منذ صغره يربى على الأخذ، ويترقب  العطاء، ولم يُربَّ في يوم على البذل، حتى إذا بلغ أشده، وأصبح الرجل المسؤول عن الأسرة لم يستطع أن يؤد دوره المطلوب؛ لأنه لم يؤهل يومًا على القيام بدوره المرتقب،  فقضية تضييعه لنفقة ليست وليدة لحظة، إنما هي قضية تراكمية كان العامل الأكبر فيها التربية الخاطئة، فعلينا لإنقاذ ضحايا الشح أن نعيد النظر في طريقة تربية الأولاد، هذا الحل مسؤوليتنا كأفراد، إن على الرجال الذين تشربت أنفسهم الطمع، وسيطر على قلوبهم الحرص حتى غطى على بصائرهم، أن يترفعوا عن أكل من حرج رسول الله ماله، وأن يحذروا من أكل أموال الناس بالباطل، وليراجعوا كتب الفقه ليروا الإنصاف في تفاصيل النفقة حيث بحث الفقهاء نفقة خادم الزوجة، وهل يجب لها أكثر من خادم، وتوفير المسكن الصالح لأولاده من مطلقته، إلى آخر المسائل التفصيلية في مباحث النفقة.

 فهل سنتخذ الخطوات الجادة لإنقاذ ضحايا الشح؟ وإلى متى نتركهم يصطلون بنار الظلم؟ ألم يأمرنا رسولنا -صل الله عليه سلم- بنصرة الظالم والمظلوم؟

لاتوجد تعليقات حاليا!

button

إقرأ أيضا

كل نفس ذائقة الموت

:  2021-10-20

:  5

عورة المسلم

:  2021-10-07

:  10

غارت أمكم

:  2021-10-04

:  10

حق المحضون 2

:  2021-09-23

:  11

حق المحضون 1

:  2021-09-20

:  10

حاجتنا إلى الهدي النبوي

:  2021-09-16

:  11