حاجتنا إلى الهدي النبوي

2021-09-16

عندما تتأمل السيرة النبوية والكنوز القيمة التي احتوتها تشعر بالأسى والحزن عن غيابها في ثقافتنا اليومية، وأن تناولنا لها لا يخرج عن طرح قديم لا يربط النص بالحياة اليومية، ولا يجعل القارئ يعيش روحه ولفتاته.

وفي تأملات في إنسانيات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقفت موقف إجلال لشخصه العظيم، وشعرت بالفخر أن كنت من أتباعه، وتأسفت لغياب تفاصيل هذه الشخصية عن ثقافتنا الفكرية، لقد حققت سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع النساء والأطفال وكافة أفراد المجتمع ما يعجز عن الإتيان ببعضه اللجان الحقوقية مجتمعة بأسرها، ولك أن تتأمل معي نموذجًا له، وهو في سفره، والسفر مظنة التعب، وتغير الأحوال الإنسانية، أخرج مسلم من حديث عائشة  قالت: خرجنا مع رسول الله في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء [الصحراء] انقطع عقد لي، فأقام رسول الله على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله وبالناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله واضع رأسه على فخذي، قد نام. فقال: حبست رسول الله، والناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء. قالت: فعاتبني أبو بكر، وقال: ما شاء الله أن يقول. وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله على فخذي، فنام رسول الله حتى أصبح على غير ماء. فأنزل الله آية التيمم، فتيممّوا. فقال أُسَيْد بن الحُضَير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر! قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته.

هل تخيلت معي موقف قائد الجيش المطاع المحبوب لدى أتباعه، حين تخبره زوجته بضياع عقد لها قد استعارته من أختها أسماء، فيتراءى في خاطره أمران: الأمانة التي طالما حدث أصحابه عنها، والأمر الآخر الحالة النفسية التي تعيشها زوجته لضياع العقد، إن القضية أكبر من عقد زهيد، إنها تربية على حفظ الأمانات وردها لأصحابه، وتربية الموقف أبلغ من تربية الأقوال، فهل يفقه المربون هذه اللفتة النبوية؟ وتكون الحكمة المحمدية حينها بحبس الجيش للبحث عن العقد، رسالة منه إلى الرجال أجمع عن عظيم حق النساء عليهن، وأن مسؤولية المرأة يشترك في تحملها الكثير من الرجال، وفي الحديث استحضار المقولة التي تنص على أن المنح في ثنايا المحن، لقد عاشت عائشة حسرة ضياع العقد، وعاش الركب الضيق لانحباسهم من أجل عقد زهيد لا يساوي اثنا عشر درهمًا، مع معاناة وعثاء السفر، وأنهم ليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فعظم الأمر عليهم؛ لما تقرر عندهم من شرطية الوضوء ووجوبه عليهم.

تقول الدكتورة منى القاسم في التعليق على الحديث في رسالتها الدكتوراه القيمة: "وتمضي الساعات الحرجة ما بين ملتمس للعقد، ومرتقب للماء؛ لتهب نسمات الفرج الرخية مع تباشير الصبح الندية،  وتجد عائشة عقدها أقرب ما يكون إليها، تحت بعيرها الذي كانت تركبه. وتنزل آيات الرخصة في ذروة الحاجة إليها؛ ليستبشر بها الصحابة، والأمة بأسرها، فتأمل كيف صارت البلية نعمة أبدية، والمحنة منحة ربانية! وآل أمر القلادة التي سَخِطها الناس، وتبرموا منها إلى بركة ويسر"

 وفيه بيان حال خيار هذه الأمة، وحال نبيهم في تلك الشدة، فقد استثقل الناس ما حلّ بهم، حتى شكوا أمرهم إلى أبي بكر الذي ضاق ذرعًا، وأسى من صنيع ابنته، فأتاها معاتبا ومؤدبًا قالت: "فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول" ومما قاله لها كما في رواية: "في كل مرة تكونين عناء" هذا شأن الناس، فما شأن نبيهم -صلى الله عليه وسلم-؟!

لقد تحمل أمرها بصدر رحب، وحكمة بالغة، إن ما أشغل الركب، لا يكاد يكون شيئًا في التاريخ النبوي الحافل بالمتاعب، وحينما يعتريه الأمر، يقضي فيه بحكمة، وصبر، ثم يستلقي بذهنه المكدود، وجسمه المهدود على فخذ عائشة وينام قرير العين حتى يصبح؛ ليظفر بالخيرين: آية التيمم، والقلادة! 

ولك أن تتعجب حين ترى الاحترام المتبادل بين الزوجين، فها هي الفتاة ذات الخمسة عشر خريفًا تقدر الزوج الذي ينام على فخذها، فلا تتحرك مع طعن أبيها لها في خاصرتها كراهية أن تؤذيه، زوج يحتبس لأجل زوجته، وزوجة لا تتحرك تقديرًا لزوجها، ما أعظمها من حياة مبنية على التواد!

 أما آن الأوان إلى نقل السيرة من بطون الكتب إلى حياة يعيشها الناس!

لاتوجد تعليقات حاليا!

button

إقرأ أيضا

كل نفس ذائقة الموت

:  2021-10-20

:  5

عورة المسلم

:  2021-10-07

:  10

غارت أمكم

:  2021-10-04

:  10

ضحايا الشح

:  2021-09-28

:  10

حق المحضون 2

:  2021-09-23

:  11

حق المحضون 1

:  2021-09-20

:  10