أبو الدحداح والعذق المباح

2021-08-16

في مجلس النبي -صلى الله عليه وسلم-  يأتي رجل شاكيًا صاحبه الذي أراد أن يبتاع منه نخلة ليقيم بها بستانه، ويصلح حائطه، وكانت نخلة جاره قد أعاقت عملية الإصلاح، فأراد شفاعة النبي لدى هذا الجار لعله يُمضي عملية البيع، ويكون للموقف رسول الرحمة -صلى الله عليه وسلم-، وفي لفتة إنسانية لكل قائد تلمح لهم إلى أن أعباءهم و همومهم مهما كثرت لا ينبغي أن تحبسهم عن اهتمامات الناس الضئيلة في نظرهم، والعظيمة في نظر أصحابها، وما كان من رسول الله إلا أن استعمل أسلوب الترغيب القائم على ربط النفوس المتطلعة للخير والمتسابقة إليه بالآخرة؛ لأن الدنيا لا تعني لأولئك القوم  شيئًا، فهي زهيدة في نظرهم، تترفع أنفسهم الشريفة عن ابتغائها والتعلق بها، وتأتي الكلمات المحمديَّة لجار الأنصاري: "أعطه النخلة بنخلة في الجنة"، فيأبى الرجل إتمام عملية البيع، ويحترم رسول الله رأيه، لأنه يدعو إلى احترام الآراء، وحماية الحريات بضوابطها، ويسعد أبو الدحداح تلك الساعة، ويرى أن العرض مغرٍ، وأن موضع السوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، فكيف إذا كان الضمان على نخلة في الجنة من الصادق المصدوق؟، ويرى أن هذه النخلة تستحق أن ينخلع من جميع ماله، وقد ظهر ربحه لأن تجارته مع الله، وأنعم بمن تاجر مع الكريم سبحانه، وربح بيعه،  والمال لا يذهب بالإنفاق، إنما هو قرض حسن مضمون عند الله، يضاعفه في الدنيا مالًا وبركةً وسعادة وراحة، وفي الآخرة نعيمًا ومتاعًا، ورضى وقربى من الكريم سبحانه، ويأتي العرض المغري من أبي الدحداح  لجار الأنصاري بأن ثمن نخلته حائط فيه ستمائة نخلة، قد أقرضه الله، فما كان من الرجل إلا أن أتم البيع، وقبل العرض، وتنازل عن النخلة مقابل الحائط، ويسارع أبو الدحداح جذلًا بما ظفر به لحائطه الذي يؤوي إليه أولاده وزوجته، ليقف على باب الحائط زافًا البشارة لهم، مناديا لزوجته: يا أم الدحداح، فتجيبه: لبيك!، فيقول لها: أخرجي، فقد أقرضت الحائط لربي عز وجل، فما كان من المرأة الصالحة التي تعلم يقينًا بأن فعل زوجها قد طاب، وأنها لابد أن تكون عونًا له على الطاعة ليشقَّا طريق الحياة إلى النعيم الأبدي، إلا أن قالت له بلسان المؤمنة الثابتة: "ربح بيعك يا أبا الدحداح"، و لما طاب قولها تأمل معي طيب فعلها، لقد علمت أن الحائط لم يعد مُلكًا لهم، فقد أقرضوه الله، فهرعت إلى صبيانها لتخرج ما في أفواههم من ثمار الحائط، وتنفض ما في أكمامهم ، لتلقن أولادها درسًا تطبيقيًا في النفقة والأمانة معًا، حتى أفضت إلى الحائط الآخر، وقد جاءت بشارة رسول الله لأبي الدحداح مكررة بأن ثمن حائطك أعظم من نخلة في الجنة، لأنك أقرضت الكريم سبحانه، ورسول الله يكرر مرارا: " كم من عذق رداح  لأبي الدحداح  في الجنة!"،  فأكرم بأبي الدحداح، وبكل منفق لماله في مرضات الله، ومقرضٍ لربه قرضًا حسنا، وعجيب أن يشقى المرء في جمع ما يتركه لغيره، وإذا لم يستفد المسلم من ماله فيما يصلح معاشه، ويحفظ معاده، فممَّ يستفيد بعد؟! ولو فكر الإنسان في حقيقة ما يملك، وفي عاقبته معه لرأى السماحة أفضل من الأثرة، والعطاء خير من البخل {وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين}.

لاتوجد تعليقات حاليا!

button

إقرأ أيضا

حق المحضون 2

:  2021-09-23

:  5

حق المحضون 1

:  2021-09-20

:  7

حاجتنا إلى الهدي النبوي

:  2021-09-16

:  8

الذكاء العاطفي

:  2021-09-13

:  7

أنت أحق به مالم تنكحي

:  2021-09-09

:  8

أعوج ما في الضلع أعلاه

:  2021-09-06

:  6