رسول الله والمقداد

2021-08-02

بيت الكرم والجود الذي يفتح أبوابه لكل غريب، كان هذا اليوم مفتوحًا للمقداد بن الأسود واثنين من أصحابه قد ذهبت أسماعهم  وأبصارهم من الجهد والجوع، فجعلوا يعرضون أنفسهم على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن عرضهم كان على أشخاص مقلين ليس لديهم ما يقدمونه لأضيافهم، فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشكوا حالهم إليه، وما أعظم شخصه الكريم الذي استطاع أن يكسر جميع الحدود بينه وبين الناس حتى تجد المرء لا يتردد في الوقوف ببابه لسؤال حاجته، وما ذاك إلا ليقينه بسعة صدر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما كان من رسول الله إلا أن دفع لأضيافه أربعة أعنز، وقال  يا مقداد خذ هذه فاحتلبها، فجزئها أربعة أجزاء، جزء لي وجزء لك والباقي لصاحبيك، ففعل المقداد ما أمره به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي ليلة من الليالي شرب المقداد جزأه، وشرب صاحبيه جزئيهما، وجعل جزء رسول الله في قعب [قدح عظيم] وأطبق عليه، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- احتبس هذه الليلة، وتأخر على غير عادته، فوجد الشيطان فرصته ليسول للمقداد أن يشرب لبن رسول الله، فآتاه وقال له: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة، وما زال الشيطان يغري المقداد حتى غلبه، فقام المقداد إلى إناء اللبن فشرب جزء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما انتهى أسقط في يده، وندم ولات حين مندم، بعد أن وغل اللبن في بطنه، وليس إليه سبيل، ويجد الشيطان فرصة سانحة أخرى، ويلبس لبوس الضأن على جلد الذئب، ومتى كان إبليس ناصحًا؟

فندّم الشيطان المقداد على فعلته، وبدأ بجلب همزاته لتخويفه فقال: ويحك ما صنعت أشربت شراب محمد، فيجئ، فلا يجده فيدعو عليك، فتهلك فتذهب دنياك وآخرتك؟! وما وسوسة الشيطان إلا محاولة منه للظفر بالمقداد، ورده على عقبيه بعد أن هداه الله، ولكن هيهات ذلك له بعد أن وقر الإيمان في قلب صاحبه، وما كان من المقداد إلا النوم ذاك الوقت قبل مجيء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان معه شملة إذا وضعها على رأسه، خرجت قدماه، و إذا وضعها على قدميه خرج رأسه، وجعل النوم لا يجيؤه، وصاحباه بجواره قد ناما، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسلم تسليمة تسمع اليقظان، ولا توقظ النائم، وكان هذا هديه عند الدخول على أهله في الليل، فما أرق عاطفته كيف فكر في اليقظان والنائم معًا! وأتى بما يتناسب مع حالة كل منهما، ودخل المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه، ولم يجد شيئًا، فرفع يديه إلى السماء، والمقداد يرقب الموقف، ويقول: الآن يدعو علي، فأهلك، وجاءت الدعوات من في الطاهر -صلى الله عليه وسلم- لتطرق سمع المقداد، وقلبه قد بلغ حنجرته: اللهم أطعم من أطعمني، وأسقِ من سقاني. فتنزل هذه الدعوات على قلب المقداد المشتعل كالماء البارد الذي يطفئ لهيب النار وحرها، وتحركت نفس المقداد لإطعام رسول الله، لعل دعوة رسول الله تناله، ورأى أنه سيغنم غنيمة عظيمة إن أطعم رسول الله، فما كان منه إلا أن عمد إلا الشملة فشدها عليه، وتناول الشفرة، وانطلق إلى الأعنز أيها أسمن ليذبحها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فحصل مالم يكن ببال المقداد، لقد وجد الأعنز حافلة بالحليب، وما ذاك إلا بركة رحمة الله بنبيه -صلى الله عليه وسلم-، فقرب المقداد الإناء وملأه حتى علته الرغوة، وجاء إلى رسول الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمقداد متفقدًا لحاله وصاحبيه: "أشربتم شرابكم الليلة؟" فقال المقداد: اشرب يا رسول الله، فشرب، ثم ناول الإناء المقداد فشرب، وأعاد الإناء مرة أخرى إلى رسول الله ليشرب، ثم تناوله بعده، ولما عرف المقداد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد روى وأصاب دعوته، ضحك حتى سقط على الأرض، ورسول الله يلحظ الموقف، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "إحدى سوآتك يا مقداد" فبدأ المقداد يسرد القصة لرسول الله، وكيف انقلب فعله السيء إلى حسن، فعلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الموقف بما يدل على عظيم حلمه، وإحساسه بالآخرين من حوله: "هذه بركة كان ينبغي لك أن تعلمني حتى نوقظ صاحبينا فنسقيهما من هذه البركة" قال المقداد: يا رسول الله إذا شربت أنت البركة وأنا فما أبالي من أخطأت".

 إن هذه الحديث يدل على سعة حلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وظهور رحمته بأمته، وقربه من الناس، ولا غرو فقد كان يملك إكسير النجاح {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لا نفضوا من حولك}.

لاتوجد تعليقات حاليا!

button

إقرأ أيضا

حق المحضون 2

:  2021-09-23

:  5

حق المحضون 1

:  2021-09-20

:  7

حاجتنا إلى الهدي النبوي

:  2021-09-16

:  8

الذكاء العاطفي

:  2021-09-13

:  7

أنت أحق به مالم تنكحي

:  2021-09-09

:  8

أعوج ما في الضلع أعلاه

:  2021-09-06

:  6