منتهى الايثار

2012-11-07

في إحدى المجالس النبوية ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس بين أصحابه الذين ينهلون من معين علمه، دخل رجل إلى المجلس قد بدت عليه آثار الجهد، ولحقته المشقة جراء الجوع الشديد وقلة ذات اليد، وهو يشكي حاله إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي نجح في أن يجعل الناس يعبروا عن ذواتهم بين أيديه لكريم أخلاقه وعظيم صفاته، لقد كان قريبًا من الناس لا تستحي العجوز أن تسأله حاجتها، ولا الجائع يستحي من سؤاله الطعام، ولا صاحب الحاجة يتردد في إنزال حاجته عليه؛ لأن لديه من جود الرياسة ما لا يوجد عند ملوك الدنيا الكرماء مجتمعين، ما يجعله يقضي حاجات الملتمسين، فيبعث الكريم -صلى الله عليه وسلم -إلى نسائه فتأتي الإجابة أن لا يوجد في بيته  إلا الماء، ولا غرو فقد خير بين أن يكون ملكًا نبيًا أو عبدًا رسولًا فاختار الثانية منهما، وكان يتخفف من الدنيا، ويوصي أصحابه أن يكونوا فيها غرباء بل عابري سبيل، فيرى أصحابه القدوة متمثلة فيه وفي أهل بيته، فبهداه أمرنا الله أن نقتدي، وما كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يتنفس هموم الناس وآلامهم إلا أن التفت إلى أصحابه مخاطبًا فيهم الكرم العربي، والمعنى الإيماني: "من يضم أو يضيف هذا الرجل يرحمه الله" وما أرق العبارات التي ختمت بدعاء النبي الكريم على ربه بالرحمة، وكأني بنفوس الصحابة تتطلع إلى الظفر بهذه الدعوة المجابة، فتشرئب أعناق الصحابة ليتعرضوا لرحمة الله فيسبق رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة، فيأخذ بيد الضيف إلى بيته، ويدخل أبو طلحة على زوجته فيخبرها الخبر،  فما كان منها إلا أن رحبت بضيف رسول الله، ثم أخبرت الزوج بعد أن سألها ما لديها، أن ما في البيت غير قوت الصبية الصغار،  فقال الزوج العاقل للمرأة الحكيمة: "هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فإذا أهوى الضيف ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، وأريه أنا نأكل" فيدخل الضيف، وقد بات الصبية جياعًا، لأن نفوس الوالدين الكبار تأبى إلا الإيثار بطعام الصبية للضيف العزيز، فتقوم المرأة بتقديم العشاء، وتتظاهر بإصلاح السراج فتطفئه، ثم تجلس وزوجها مع الضيف يوهمانه بأنهما يأكلان -وذلك قبل فرض الحجاب- فلما أكل الضيف وشبع، انتهت ليلة الكرماء حقيقة لأن بذلهم كان مع قلة ذات اليد، فكيف لو كانت اليد ملأى؟ ويستيقظ الرجل في الصباح ليصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيستقبله رسول الله ببشارة عظيمة  لعمله الخالد: "لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة" ونزل تخليد فعلهما رسالة إلى جميع المؤمنين بأن الكرم لا يكون مع المال الكثير إنما يكون مع النفوس السخية، والأكف الندية التي وقاها الله شح نفسها، فما أروع البذل السخي، والإيثار مع الحاجة، لقد أنزل الله فيه وزوجته {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}

فالشح هو المعوق عن كل خير، لأن الخير بذل في صورة من الصور، بذل في المال، وبذل في العاطفة، وبذل في الحياة عند الاقتضاء، ولا يمكن أن يصنع الخير شحيح يهم دائمًا أن يأخذ، ولا يهم مرة أن يعطي، ومن يوق شح نفسه فقد وقي هذا المعوق عن الخير، فانطلق إليه معطيًا باذلا كريمًا، وهذا هو الفلاح في حقيقة معناه، إن  الأموال المستخفية في خزائن الأشحاء، المختبئ فيها حق المسكين والبائس، شر جسيم على صاحبها في الدنيا والآخرة، إنها أشبه شيء بالثعابين الكامنة في جحورها كأنها رصيد الأذى للناس، بل إن الإسلام أبان أنها تتحول فعلا إلى حيات قد أمرقت، واحتدت أنيابها، تطارد صاحبها لتقضم يده التي غلها الشح، وما أجمل ما قاله زهير:

فأقصرن منه عن كريم مرزَّءٍ         عَزوم على الأمر الذي هو فاعلهُ

أخي ثقة لا يهلك الخمر ماله          ولكنه قد يهلك المال نائلهُ

تراه إذا ما جئته متهللا                  كأنك تعطيه الذي أنت سائلهُ

لاتوجد تعليقات حاليا!

button

إقرأ أيضا

حق المحضون 2

:  2021-09-23

:  5

حق المحضون 1

:  2021-09-20

:  7

حاجتنا إلى الهدي النبوي

:  2021-09-16

:  8

الذكاء العاطفي

:  2021-09-13

:  7

أنت أحق به مالم تنكحي

:  2021-09-09

:  8

أعوج ما في الضلع أعلاه

:  2021-09-06

:  6