أم المؤمنين في البقيع

2012-11-08

في ليلة من ليالي المدينة بدأت خيوط القصة تنسج عند انقلاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد العشاء إلى بيت عائشة -رضي الله عنها- والمبيت معها، وقد وضعت ثيابها، ووضع النبي -صلى الله عليه وسلم- رداءه، وحذاءه عندئذ تلقى النبي -صلى الله عليه وسلم- نداءً خفيًا من الوحي، فأذعن له واستجاب لأمره، لكنه انتظر رويدًا حتى ظن أن الزوجة نعست، فانسل بين يديها بخفة دونما حس أو جلبة، وارتدى رداءه، وانتعل بهدوء، وغادر بلطف مخافة أن تنتبه من نومها فتذعر، وترتاع من الوحدة إلا أن عائشة -رضي الله عنها- لم تزل يقظى، تشعر بانسحاب زوجها الحبيب، فتهجم عليها هواتف الغيرة وهمومها، وينشغل بالها في رواح النبي-صلى الله عليه وسلم-، فتسرع إلى درعها وخمارها، وتتبع أثر زوجها وتحث المسير إليه، لتراه في البقيع قائمًا يدعو، ويطيل الدعاء، وتطيل الوقوف في جنح الظلام وسواد الليل، فلما انعطف آيبًا إلى بيتها سبقته إليه، وهي تعدو مسرعة وارتمت على فراشها قبيل دخوله -صلى الله عليه وسلم-، كانت الظلمة تلف أنحاء حجرتها والنبي يدنو منها، وشبح السواد الذي لمحه آنفا يهز خياله الطاهر، ويعكر فكره النقي، وبالرغم من ذلك ضبط انفعالاته، فلم ينفلت لسانه بالتهم والشكوك، وإثارة الشبه بل تريث، واقترب من زوجه، ولا حظها وفحص حالها، كان نفسها عاليا متواترا، يدل يقينًا على قيامها بجهد حركي كثيف، وبالرغم من الملاحظة الدقيقة يحجم عن البوح بشأنها، لتعترف هي بالواقع، وتنطلق الحقيقة من لسانها إلا أنها تأبى ذلك حياء -صلى الله عليه وسلم-، فتعتذر منه بقولها: "لا" لن أبوح بفعلي فيأمرها بعتاب ملح مؤثر "لتخبرني، أو ليخبرني اللطيف الخبير" وفي الخطاب إشارة إلى كمال لطف المعبود سبحانه، وعظيم خبرته، وهو عتاب مؤثر في حالة التخطيط المضمر المحبوك، يرد الحيرى إلى الحقيقة الثابتة التي ربما نسيتها أو غفلت عنها، فتذعن لأمر رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وتسرد قصتها، ويزداد النبي يقينًا بما ظنه منها، ويسألها مؤكدًا أنت السواد الذي رأيته أمامي؟، فتقر أخرى: نعم، فلا عجب أن وكزها -وقد بلغت مبلغ النساء- على صدرها بيده الشريفة ضربة واحدة أوجعتها تأديبًا لها من سوء الظن به، وتوقع الجور في حقها بأن يدخل في نوبتها غيرها، وقال: "أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟" وقرن بينه وبين اسم الجلالة -الله- إشارة إلى التلازم بينهما، وذكر الله لتعظيم قدر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ونسبة الجور والظلم إلى الرسول ترتبط بنسبته إلى ذي العدل سبحانه، فالأمر خطير جدًا، ثم هاهي الزوجة الحبيبة تتقبل تبعات تصرفها، وعاقبته من المعاتبة والمعاقبة بلا هياج أو تذمر، وتستمر في حوارها الهادئ مع المصطفى فتقول في يقين "مهما يكتم الناس فقد علمه الله" فيجيبها الحبيب بقوله: "نعم" ثم حكى لها ما كان من أمره ونداء جبريل وانسحابه برفق وتمهل لئلا تستوحش، وتقلق، تأمل هذا البيان العذب والجواب المهذب واهنأ بدلالته وآدابه العميقة، وانهل من عاطفته الرقيقة وتدبر، استهلال القصة بسكينة وهدوء، ثم وقوع الخلاف وتناوله بواقعية بعيدًا عن المبالغة والتهويل والقيل والقال، ومحاصرته بالحقائق بلا استفصال عن الدقائق والخروج منه سريعًا ليختم الحديث بأسلوب لطيف هادئ كما بدأ، إن خيوط هذه القصة تعطيك نموذجًا عمليًا وتجربة ناجحة ومثالًا حيًا لمعالجة مشكلة طارئة في بيت النبوة، ومعاملتها بحكمة وحزم، ومحاكمتها برفق وعدل، فهل يعي الأزواج الطريقة المثلى لاحتواء المشكلات؟!

لاتوجد تعليقات حاليا!

button

إقرأ أيضا

حق المحضون 2

:  2021-09-23

:  5

حق المحضون 1

:  2021-09-20

:  7

حاجتنا إلى الهدي النبوي

:  2021-09-16

:  8

الذكاء العاطفي

:  2021-09-13

:  7

أنت أحق به مالم تنكحي

:  2021-09-09

:  8

أعوج ما في الضلع أعلاه

:  2021-09-06

:  6