الثروة المُهدرة

2012-11-06

تأمل في نفسك أو في حال كثير ممن هم حولك، تقف حائرًا في إغفال المرء لرأس ماله وعدم الاكتراث باستثماره، ولعل أخطر ما في هذه الثروة أن كل مفقود يسترجع، إلا الوقت فهو إن ضاع فليس في عودته أمل، ولذا كان أنفس ما يملكه الإنسان.

    ومع نفاسته إلا أن كثيرًا يتعامل معه تعامل المقصر، تمر عليه الليالي والأيام، وتكر الشهور والدهور، ويغدو ويروح ويتعب ويستريح، ومع ذلك فهو في غفلة عن يومه وغده، حتى إذا فات الأوان عض أصابع الندامة على عبثه وغدا عمره كله ساعة يقول تعالى: {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم}

 إن شأن الناس في الدنيا غريب، يلهون والقدر معهم جاد، وينسون وكل ذرة من أعمالهم محسوبة {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد}

إن من الخداع للذات أن يحسب المرء نفسه واقفًا والزمن يسير، إنه خداع النظر حين يخيل لراكب القطار أن الأشياء تجرى وهو جالس، والواقع أن الزمن يسير بالإنسان نفسه إلى مصيره، فهل يعي الكثير هذه الحقيقة؟!

  إن مما يزعج العاقل ما يسمعه من عبارات، بل ويراها من قبل الراشدين قبل الصبية تنبئ عن ثقافة تعيسة تتفنن في قتل الوقت وتضيعه، حتى لم يعد الواحد يستحي أن يخبر عن أوقاته الفارغة كفراغ عقله وروحه، وإلا فما تفسيرك لانخفاض القراءة والإنجاز والإبداع في عالمنا العربي والإسلامي؟! ولماذا نستهلك أكثر مما ننتج! ونتكلم أكثر مما نعمل! وننافس في كل سقط! ودليل ذلك ما نراه في الساعة من إصدار لقنوات فضائية تعكس الخلفية الثقافية لملاكها الموقرين.

 

 إن تعاملنا مع الوقت لابد أن يأتي من ثقافتنا الشرعية وقيمنا الإسلامية التي ترسم منهجًا متكاملًا لتعامل المرء مع ليله ونهاره {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} وفي الحديث:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"؛ بل ورسم الإسلام للمسلم موقفا من البطالين اللاعبين بالأعمار:{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} ومن المؤسف أن بعضهم لا يقف عند إضاعة وقته بل يسطو على أوقات الآخرين, وقد أحسن ابن الجوزي في التعامل مع هذا الصنف من الناس حين أشغلهم وقت زيارتهم بأعمال تحتاج إلى وقت ولا تحتاج إلى تفكير كبري الأقلام وتقطيع الأوراق.

   إن التنمية الوطنية والنهضة المجتمعية والتميز الفردي لن يحصل لأناس لا يحسنون التعامل مع أوقاتهم، ويعيشون للحظتهم، لا يحاسبون أنفسهم على ما مضى ولا يعدون لما يستقبل، ولا يعبؤون بأمر دينهم ودنياهم، يحسب أحدهم أن الغاية من خلقه تغذية جسده {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون}!

  ومن الاتعاظ بالزمن دراسة التاريخ العام، كيف تقوم الأمم وكيف تنهار؟ وكيف تنقلب بين ازدهار وانحدار؟ والله -عز وجل- يطلب من الناس أن يلتفتوا إلى هذه الأدوار المتعاقبة {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} إن العمر قصير، والحاضر الذي يحيا الإنسان في نطاقه ضيق، والعاقل لا يستمد كيانه وتألقه ونفوذه من وراء الانكماش، بل لابد أن يتعدى مكانه وزمانه إلى عصور الحياة السالفة.

   فهل سنسعى لإبقاء أعمار لنا لا تفنى بذهاب الأجساد؟ وهل سننتشل الجيل من ظاهرة ضياع الأوقات ونجعلهم أهل الريادة والسيادة في استثمارها تحدوهم رسالة كبيرة يسعون لرسمها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}؟

لاتوجد تعليقات حاليا!

button

إقرأ أيضا

حق المحضون 2

:  2021-09-23

:  5

حق المحضون 1

:  2021-09-20

:  7

حاجتنا إلى الهدي النبوي

:  2021-09-16

:  8

الذكاء العاطفي

:  2021-09-13

:  7

أنت أحق به مالم تنكحي

:  2021-09-09

:  8

أعوج ما في الضلع أعلاه

:  2021-09-06

:  6