أفعمياوان أنتما؟

2012-07-14

من سنن المرسلين، وطريقة الذكر الحكيم مخاطبة الفطرة بالمنطق السوي، ومحاورة الألباب بالمسلمات الواقعية لترتبط النفوس بخالقها سبحانه، وتنصاع إلى توحيده وعبادته عن رضا وقناعة، ومنذ بواكر الدعوة كان من هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- امتطاء أسلوب الحوار الهادئ، والمناقشة المثمرة مع أصحابه وأعدائه؛ لتشرق في النفوس أنوار الهداية، والخير، ولنعرض لأحد الحوادث النبوية مع نسائه لنستلهم العبر والفوائد.

     يبدأ مشهد الحوار بدخول رجل أجنبي هو: ابن أم مكتوم الأعمى في بيت النبوة على بعض أزواجه وهما، أم سلمة وميمونة -رضوان الله عليهما- حين كانتا على هيأتهما في اللباس والزينة والتكشف، فبادر رسول الله إلى أمرهما بالحجاب والتستر، وهناك انقدح في ذهنيهما سؤال مدهش، انطلق على خلفية ما تعلماه من النصوص والمعاني الشرعية في فرضية الحجاب، فقالتا معا بفكر واحد، وصوت واحد، وتلقائية مباشرة، وعفوية لم يسبق لها تخطيط "يا رسول الله" بنداء لطيف مهذب لا ينسى في ثورة المحاجة، وتألق المناقشة: "أليس أعمى لا يبصر؟" ولا يعرفنا، ولا يرى الصور والمحاسن؟ ومن هذا الاستنكار يتولد سؤال آخر، يتضمن معنى الاعتراض، فكتماه لكمال الحياء ومنتهى الأدب وهو: "فلماذا نحتجب؟" فيجيبهن الحبيب -صلى الله عليه وسلم- على الفور بشاهد من أنفسهن مادامت الشبهة قائمة حية في عقولهن بهذا السؤال: " أفعمياوان أنتما؟" إنها إضاءة لطيفة، وتذكير هادئ بنعمة العافية من العمى، وأداء حقها بالشكر لله تعالى: " ألستما تبصرانه!" استنكار تقريري رديف للسابق، مؤكد له، فبيت النبوة محفوف بمزيد من الصيانة والتعفف والاحتشام، وعلى نسائه الطاهرات تتضاعف الحرمة، ويغلظ الحجاب، لما لهن من الجلالة، لمكانتهن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

       لقد لمسنا عن قرب من خلال هذا الحوار الهادف القصير منهج النبي في إثراء الحوار برعاية الروح النقدية الرقيقة المنفعلة، ودعمها بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي من شأنها أن توسع قاعدة الفهم والإدراك، وتجعل الرؤية أكثر وضوحًا وجلاءً لكل زوايا القضية ومنحنياتها، فيكون لهذا الإيضاح الباهر أثره الظاهر في دحض الشبه، وإزالة الشك، وهزيمة الباطل، وترسيخ الحكم الشرعي، وتعميق القناعة به، وسمعنا أيضا تلك الكلمات؛ بل قل تلك الرفرفات الوديعة الحبيبة السامية المحلقة من أفق محمد -صلى الله عليه وسلم- وغيرته على أهله، وكيف يستجيش بها مشاعر نسائه، ويزكي أحاسيسهن لتشف، وترق، وتصفو، مستعلية على رغائب النفس، فتصبح أعظم مطاوعة لأمر الله عز وجل، وإذعانًا لحكمه، ألا ما أحوج المربين والمربيات إلى الوقوف مع كنوز السيرة  للاستفادة من المنهج النبوي في الاقناع ونقل الحكم الشرعي! لقد كان بيد رسول الله ومن حقه إلزام نسائه بالحجاب، عن ابن أم مكتوم -رضي الله عنه- دون تعليل، لكن نفسه العظيمة تأبى عليه إلا حسن التربية والتهذيب لمن هم تحت يده، ولا يكون ذلك إلا لمن وفقه الله وألهمه حسن الخلق، وأخذ الدين من مشكاة النبوة عن علم ومعرفة.


 

لاتوجد تعليقات حاليا!

button

إقرأ أيضا

حق المحضون 2

:  2021-09-23

:  5

حق المحضون 1

:  2021-09-20

:  7

حاجتنا إلى الهدي النبوي

:  2021-09-16

:  8

الذكاء العاطفي

:  2021-09-13

:  7

أنت أحق به مالم تنكحي

:  2021-09-09

:  8

أعوج ما في الضلع أعلاه

:  2021-09-06

:  6