الأعرابي في المسجد

2012-11-07

جرت عادة الأعراب -الذين يقطنون البوادي- على أن يقضي أحدهم حاجته فيما يراه أمامه من الأماكن كما اعتاده في الصحراء التي يرعى فيها مواشيه، ويضرب فيها خيمته؛ لكن صاحبنا الأعرابي في هذه المرة جرى له ما لم يكن في الحسبان، إذ دخل مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد حصره البول، فلم يجد بُدًّا من قضاء حاجته في طرف المسجد الذي يدخله لأول مرة في حياته، ولا يعرف ماهيته، ولا لأي شيءٍ وضع، فرفع الأعرابي إزاره، وبدأ في قضاء حاجته، فاستثار موقفه الصحابة الذين اعتادوا على تنظيف المسجد، وصيانته من النجاسة، والتحرز من تلويثه، وتعظيمه، فثاروا إليه قيامًا يصيحون به، ويزجرونه،  يقولون له: مه مه!، ورسول الله يرقب الموقف بهدوئه المعتاد، وحكمته الفذة، ورفقه العظيم، ولأنه أرسى مدرسة الأصوليين، وقرر بسيرته أن الكف للمصلحة الراجحة حتم، ولا بد من دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، كان خاطره يجول بين مضار المنع، ومصلحة قضاء الأعرابي من حاجته، ولو مُنع لدار بين أمرين: إما أن يقطعه فيتضرر -ويفضي هذا المنع إلى رفض الدين بعد الإقبال عليه؛ لما أوقعه من الضرر على بدنه-، وإما أن لا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد، ثم إن هذه المفسدة يسهل رفعها، وتصحيح التصور الخاطئ الذي أنشأها، فأصدر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمره لأصحابه قائلا: "لا تزرموه" (أي: لا تقطعوا بوله) وفي رواية: "دعوه"  معللًا لهم دافعه إلى هذا التصرف الحكيم، والروية المثلى: "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين" وكأني بالصحابة وقد استوقفتهم هذه العبارة الندية من مدرسة محمد التي قامت على الرفق بالناس، ودفع الحرج عنهم {ما يريد الله  ليجعل عليكم من حرج} وقوله {ما جعل عليكم في الدين من حرج} وقوله {يريد الله أن يخفف عنكم} بل إن الله أشار في كتابه العزيز إلى إكسير النجاح في العلاقات الإنسانية {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك} فهي رحمة من الله نالته ونالتهم، فجعلته -صلى الله عليه وسلم- رحيمًا بهم، لينًا معهم، ولو كان فظًا غليظ القلب ما تألفت حوله القلوب، ولا تجمعت حوله المشاعر؛ فالناس في حاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم، ولا يحتاج منهم إلى عطاء، ويحمل همومهم، ولا يعنيهم بهمه، ويجدون عنده دائمًا الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء، وهكذا كان قلب رسول الله، وهكذا كانت حياته مع الناس، ما غضب لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، ولا احتجز لنفسه شيئًا من أعراض هذه الحياة؛ بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية، ووسعهم حلمه وبره، وعطفه ووده الكريم، وما عاشره أحد إلا امتلأ قلبه بحبه، وعودةً إلى صاحبنا الأعرابي نجده واقفًا، والناس حوله ثائرون، ورسول الله يهدئهم، ولما قضى الأعرابي بوله أراد رسول الله أن يعطيه درسًا عمليًا في صيانة المساجد قبل الدرس النظري، وكأني به يوجه رسالة عميقة لأصحابه في أن هذه المفسدة يمكن رفعها بذنوب من ماء، فهل يستدعي الموقف الصياح كله؟ لا سيما مع جهل الأعرابي، وأمام الأعرابي يأتي الصحابة بدلو الماء ويهرق على البول، في حضرة رسول الله، ثم يدني رسول الله الأعرابي قائلًا له بخطاب يفيض علمًا وحلمًا وحكمة: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن.

وتأمل معي هذا الخطاب التربوي العظيم الذي لم يصدره بلم فعلت، أو لا تفعل؛ لأن عمل الأعرابي انتهى؛ لكنه -صلى الله عليه وسلم- أمام تصور خاطئ حمل الأعرابي إلى البول في المسجد، إن تصور الأعرابي قائم على استواء المسجد هذه البقعة التي يدخلها لأول مرة مع غيره من الأماكن، فأراد رسول الله أن يقرر له صيانة هذا المسجد -بل وكل مسجد-، ولذا جاءت الرواية بالجمع تنبيهًا منه عن الاحتراز الشديد من تلويث أماكن العبادة، ومواضع السجود، ثم علل لم بنيت المساجد للذكر والصلاة وقراءة القرآن وهذه الأعمال الصالحة تحتاج إلى طهارة، وما كان من الأعرابي بعد هذا المشهد الأبوي الحاني من رسول الله إلا أن قال: "بأبي أنت وأمي" ويعلق سبب تفديته بأبيه وأمه أنه لم يؤنب، ولم يسب، فصورة مع التحية لكل معلم ومربٍ وداعية.

لاتوجد تعليقات حاليا!

button

إقرأ أيضا

حق المحضون 2

:  2021-09-23

:  5

حق المحضون 1

:  2021-09-20

:  7

حاجتنا إلى الهدي النبوي

:  2021-09-16

:  8

الذكاء العاطفي

:  2021-09-13

:  7

أنت أحق به مالم تنكحي

:  2021-09-09

:  8

أعوج ما في الضلع أعلاه

:  2021-09-06

:  6