مدارسنا والقرآن

2012-11-08

إذا أردت أن تصاب بخيبة أمل من نتيجة مخرج تعليمي فما عليك إلا أن ترجع بذاكرتك إلى حصة التلاوة أثناء دراستك في صفوف التعليم العام، أو تكون مشرف تربية عملية لطلاب التطبيق أثناء تدريس القرآن الكريم، أو تدخل ضمن لجان اختباره في التعليم العالي، أو تستمع لقراءة شخص أياً كان رجلاً أو امرأة لينزعج سمعك باللحون الجلية والخفية في قراءته على حد سواء، والمصيبة العظمى أن تقف على لحون جلية من إمام مسجد أو داعية تصدر لوعظ الناس وتذكيرهم.

    خذ على سبيل المثال ما قاله الله في مطلع سورة براءة {أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} حين يقرأها القارئ بجر كلمة "رسوله" كيف يتغير المعنى! روى القرطبي عن أبي مُلَيكة أن أعرابيًّا قدم في زمان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: "مَنْ يُقرئني ممَّا أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: فأقرأه رجلٌ (براءة)، فقرأ {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} بجرِّ (رسوله). فقال الأعرابي: أوقد بَرِئ الله من رسوله؟ فإن يكن الله بَرئ من رسوله فأنا أبرأُ منه. فبلغ عمر مقالة الأعرابي فدعاه فقال: يا أعرابيُّ، أتبرأ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني قدمْتُ المدينة، ولا علمَ لي بالقرآن فسألت: مَنْ يقرئني؟ فأقرأني هذا سورة براءة فقال: (أنَّ الله بريء من المشركين ورسولِه) فقلت: أوقد بَرِئ الله من رسوله؟ إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه. فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي. قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ قال: (ورسولُه) فأمر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ألاَّ يُقرئَ الناسَ إلا عالمٌ باللغة، وأمر أبا الأسود فوضع النحو.

ومن اللحون المحيلة للمعنى ما جاء في سورة فاطر في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} حين يقرأها برفع اسم الجلالة "الله" فينسب الخشية لله تنزه سبحانه عن صفات النقص، بل من المضحك المبكي أن تقف على خطأ دال على ضعف لغوي وعقلي أيضًا، وهذا ما تقف عليه عند قراءة البعض لآية سورة يوسف: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} بضم الياء وفتح الصاد المهملة، وأذكر أن طالبة قرأتها ملحونة فاستوقفتها لتراجع بنفسها ما أحدثت من قلب للمعنى يضحك جاهل الناس قبل عاقلهم        إذ كيف يعصر الناس؟ هذا غيض من فيض اللحون المحيلة للمعنى، وأما غير المحيلة له فحدث ولا حرج حتى صار البعض يقرأ القرآن باللهجات واللكنات، ولا يراعي شكلاً ولا وقفًا، وكأنك تسمع القرآن من أعجمي أو مولد.

 ورحم الله عمر بن الخطاب حيث كان يرى الخطأ في القرآن خير من اللحن ويقول: "إنِّي إذا أخطأت رجعت، وإذا لحنت افتريت".

 ويبقى السؤال: لماذا لايجيد الطلاب قراءة القرآن الكريم مع أنهم يتعلمونه في جميع مراحل التعليم العام بل والتعليم الجامعي؟ هل الخلل من طريقة التدريس التي تمتاز بالرتابة المؤدية للملل، والمفتقدة لأدنى المهارات التربوية الجاذبة لذهن المتعلم؟ أو هو المعلم الذي لا يجيد القراءة فضلا عن أن يعلمها؟ أو التقييم الذي ينبؤك بغياب أمانة التعليم؟ أو النظرة الخاطئة لحصة تعليم التلاوة، واعتبارها هامشية وساعة احتياط لكل أستاذ؟ أو غياب الدافعية لإتقان التلاوة لدى المتعلم؟

وهل سيظل مستوى قراءة طلابنا بهذا المستوى البائس؟ لقد جاء الوقت الذي لابد أن نسعى فيه جاهدين لتقويم ألسنتنا أثناء قراءة القرآن لارتباط ذلك بكتاب الله الذي اصطفانا به، وجَعَل قراءته ركنا من أركان عمود الإسلام، وأن نربي أبناءنا على اللسان القويم ونكافئهم عليه، وعلى وزارة المعارف أن تلتفت لدراسة هذه الظاهرة وإيجاد الحلول العاجلة لها، فما أجمل أن نكون خير أمة تأخذ كتاب ربها بقوة!

إضاءة: اللغة وعاء الفكرة.

النحو يبسط من لسان الألكنِ    والمرء تكرمه إذا لم يلحنِ

لاتوجد تعليقات حاليا!

button

إقرأ أيضا

حق المحضون 2

:  2021-09-23

:  5

حق المحضون 1

:  2021-09-20

:  7

حاجتنا إلى الهدي النبوي

:  2021-09-16

:  8

الذكاء العاطفي

:  2021-09-13

:  7

أنت أحق به مالم تنكحي

:  2021-09-09

:  8

أعوج ما في الضلع أعلاه

:  2021-09-06

:  6