هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
4209003
اختلافهم رحمة وسعة
الكاتب/المحاضر : د. نوال العيد
عدد الزوار : 1483
تاريخ الإضافة : 23 شعبان 1433
PDF : 35 kb
التقييم

 لو قلب الواحد منا طرفه في أحوال كثير من الناس حوله لرأى بأم عينه المواقف المتناحرة نتيجة الاختلاف الفقهي في مسألة من فروع الدين، ويتضح  هذا في موسم الحج وقبله، خلاف حول مسائل في الرمي، وتقديم المناسك، ووقت ذبح الهدي،و..و... أمور كثيرة مازال الخلاف فيها قائم من عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لكن الاختلاف في هذه المسائل ذاك الوقت صادر عن علم، يختلفون في رأي فقهي ويتفقون على تحريم القطيعة والهجر، بخلاف الخلاف القائم في وقتنا هذا، لأنه في معظمه إلا من رحم الله قائم على تعصب وجهل، يحدو بصاحبه أن يرفع صوته على أخيه المسلم بالسب أو الشتم، وقد يتعدى الأمر إلى الهجر والقطيعة وإعلان الحرب الضروس في نقمة عجيبة.

   وليت الأمر يقف عند هذا الحد بل سيتعداه إلى وصم المخالف  بتجريح أو تشريح، وأنه صاحب هوى حتى لو سرد الدليل الصحيح الذي يدين الله به، ووجه الاستدلال منه، بل قد يتهم بالزندقة في ظاهرة غريبة عجيبة، لأن من تتبع رخص العلماء تزندق.

    والسؤال الذي يطرح نفسه هل أخفقت أدبياتنا وثقافاتنا في تعميق فقه الاختلاف لدى العلماء وطلبة العلم والمثقفين فضلا عن عامة الناس، ورحم الله السيوطي حين قال:" اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملة نعمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة؟....إلى أن قال: فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الملة خصيصة فاضلة لهذه الأمة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة"  وكثيرا مايردد  شيخ الإسلام في فتاواه:" إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة" فعلام تقلب رحمة الله إلى عذاب، وتصير النعمة والفضيلة جمرة يكتوي بها من اختار مذهبا يراه الأقرب للصواب.

    إن أ ول آداب الاختلاف أن يفقه جمهور الناس أن الاختلاف إذا لم يكن في الأصول، ولم ينشأ عن تعصب وهوى بل كان في فروع الدين عن حجة وبرهان فإنه رحمة من رب العالمين، وتوسعة علىm المسلمين، لا يستوجب هجر المخالف ولا قطيعته

  ولشيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ كلام دال على روح فقيه في رسالته لأهل البحرين حين اختلفوا هل يرى الكافر ربه في الآخرة، فقال:" والذى أوجب هذا أن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم حتى ذكروا أن الأمر آل إلى قريب المقاتلة وذكروا أن سبب ذلك الاختلاف فى رؤية الكفار ربهم، وما كنا نظن أن الأمر يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحد فالأمر في ذلك خفيف، وليست هذه المسألة فيما علمت مما يوجب المهاجرة والمقاطعة  فإن الذين تكلموا فيها قبلنا عامتهم أهل سنة وإتباع، وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا كما اختلف الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ  والناس بعدهم في رؤية النبي صلى الله عليه و سلم ربه في الدنيا وقالوا فيها كلمات غليظة كقول أم المؤمنين عائشة ـ رضى الله عنهاـ من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ومع هذا فما أوجب هذا النزاع تهاجرا ولا تقاطعا.

 ومن ذلك أنه لا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعارا يفضلون بها بين إخوانهم وأضدادهم فإن مثل هذا مما يكرهه الله ورسوله"

 ورحم الله الشافعي يوم قال:"ألا يستقيم أن نكون إخوانًا ، وإن لم نتفق في مسألة"

التعليقات 1