هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
3888221
حماية البساتين !
الكاتب/المحاضر : د.نوال بنت عبدالعزيز العيد.
عدد الزوار : 1738
تاريخ الإضافة : 12 شوّال 1435
التقييم

عاش المسلمون مدرسة إيمانية تقلبوا في أكنافها 29 يوماً، قضوها بين صلاة وقراءة قرآن وذكر وقيام وصدقة وصلة رحم، وولجوا أبواب الخير وطرقوا سبله وتفيؤوا طمأنينته وحلاوته، وانقضى الشهر ورحل ومعه قلوب محبيه.

ولا شك في أنه أبقى أثره فيهم، وأضاف مكتسبات عظيمة إلى مخزون أخلاقياتهم الفاضلة، إنك تعجب أشد العجب حين ترى الرجل والمرأة أقبلا على القرآن في شهر القرآن، وبمجرد أن ينقضي الشهر تنقضي قراءة القرآن، وينتظر المصحف قرّاءه في رمضان المقبل، ويتقلص عدد المصلين في صلاة الفجر إلى الثلث والثلث كثير!

ويترقب الفقراء رمضان ليحن عليهم الأغنياء، وتبقى متعجباً لما تراه، متسائلاً: ما المكتسبات الرمضانية التي بقيت لنا بعد رمضان؟ وما الذي خرجنا به من المدرسة الإيمانية الرمضانية؟

إن المتأمل لآي القرآن يجد أن الأعمال الصالحة تختتم بالاستمرار والزيادة، لا بالنكوص والقلة «ولتكملوا العدّة ولتكبّروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون»، وأخرج مسلم من حديث أبي أيوب مرفوعاً: «من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر»، وسئل أحد أئمة السلف عن علامة قبول العمل؟ فقال: تسأل عن القبول الأدنى أم عن القبول الأعلى؟ فقال: أسأل عنهما جميعاً؟

فقال: أما القبول الأدنى، فعلامته: رعاية حدود الشرع، والاشتغال بمثله بعد الفراغ منه.

وأما علامة القبول الأعلى، فأن يستنكف من عمل نفسه كما يستنكف من الشرك. ويقال إن من علامة قبول العمل ترك المرء ما كان عليه من المعاصي، وأن يتبدل بإخوانه البطّالين إخواناً صالحين، وبمجالس اللهو والغفلة مجالس الذكر واليقظة.

إن حصر ثقافة رمضان بترك الطعام والشراب ثقافة تدل على سطحية التفكير، والإسلام يربي أفراده على العمق، إن الحكمة من الصيام تحقيق التقوى «كتب عليكم الصّيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون»، فهل تحققت في رمضان واستمرت بعده؟

وما بال أحدنا يُرسل أعاصير محرقة من السيئات على بساتين الطاعات التي اجتهد في غرسها ورعايتها، ليحرقها فيذرها كالصريم! أخرج البخاري من حديث عمر أنه قال يوماً لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: فيمن ترون هذه الآية نزلت «أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب»؟ قالوا: «الله أعلم»، فغضب عمر، فقال: قولوا: «نعلم»، أو «لا نعلم». فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. فقال عمر: يا بن أخي قل ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس: ضربت مثلاً بعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله.

يقول ابن كثير: «وفي هذا الحديث كفاية في تفسير الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل أحسن العمل أولاً، ثم بعد ذلك انعكس سيره فبدّل الحسنات بالسيئات - عياذاً بالله من ذلك - فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل منه شيء، وخانه أحوج ما كان إليه».

ألا ما أحوجنا إلى حماية بساتين الطاعات، وعدم نقض الغزل من بعد قوة، والعمر بآخره، والعمل بخاتمته، ومن أحدث قبل السلام بطل ما مضى من صلاته، ومن أفطر قبل غروب الشمس بلحظات ذهب صيامه ضائعاً، والدنيا لا تساوي نقل الأقدام إليها، فكيف نعدو خلفها، فلم لا نتأمل أحوالنا بعد رمضان لنسعى للاستقامة والثبات، ونحافظ على المكتسبات الرمضانية من الضياع.

التعليقات 3