هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
4938003
من أين لك هذا ؟!
الكاتب/المحاضر : د.نوال بنت عبدالعزيز العيد
عدد الزوار : 1966
تاريخ الإضافة : 24 صفر 1434
التقييم

في يوم السبت الماضي تناقل الناس أنباء ثاني أكبر فائض في الموازنة في تاريخ المملكة العربية السعودية، واختلفت ردود فعل الناس بمثل هذا النبأ السار للبعض والمحبط للآخر، وما كان حيلة البعض إلا وسم هذه الموازنة بأسماء مختلفة على موقع «تويتر»: أضخم موازنة في تاريخ المملكة وغيره من الأوسمة التي عبّر فيها المواطن البسيط عن تطلعاته حولها.

هذه التطلعات التي حواها الوسم كانت تعبيراً عن هموم مواطن بسيط لا تعنيه الفلسفة الاقتصادية بقدر ما يعنيه الواقع المعاش؛ لأنه يرى كما جاء في وسم (أكبر موازنة في تاريخ المملكة): أنه كل عام والموازنة أعلى ونسبة والبطالة وعدم تمليك السكن أعلى! ويقول الآخر: بين عام 2006 و2011 ارتفعت الموازنة حوالى 100 في المئة، في المقابل ارتفعت الأراضي أكثر من 400 في المئة في الفترة نفسها. ويقول الآخر: تسلم الوزراء مصروفات عام 2013 ولم يحاسَبوا على مصروفات عام 2012. إلى غير ذلك من الهموم.

المواطن الذي أرهق كاهله غلاء الأسعار، وارتفاع الأراضي، وسعر البناء مع قرارات وزارة العمل الجديدة التي غالباً ما يكون ضحيتها المواطن، عظّم الله أجره، أضف إلى تدني مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، وهشاشة البنية التحتية لا يعنيه الرقم بقدر ما يعنيه: هل يُنفق حقاً في ما صُرف له. صحيح أن الدولة تنفق بسخاء على مشاريع وطنية، لكن وللأسف لا يصل للمشاريع إلا البعض أو القليل من المصروف عليها؛ لأن انعدام «الأمانة» من البعض والتجرؤ على سرقة المال العام مع غياب المحاسبية وتدخل المحسوبية أصبحت الأمر المكشوف الذي يرتقب المواطن له حلاً، وما سيول جدة عنا ببعيد. إن كثيراً من مشكلات الوطن التعليمية والصحية والاجتماعية تكمن في ضياع «الأمانة»، أو تضيعها، واللهث الشديد للحصول على كراسي الذهب، لحصد الامتيازات وتضخيم الأرصدة وجني الثمرة قبل سن التقاعد، لأن كراسينا غير قابلة للتدويل، بل وحتى التحويل، فبمجرد ما يصل (سين) من الناس إلى المنصب سيلهث لمصالحه الشخصية، لأن المواطن ليس من دائرة اهتماماته، اللهم إلا في اللقاءات الإعلامية والأخبار المفتوحة، وسيسعى بالطبع لتوريث المنصب لمن يروقه بعده، ليكون صاحب اليد البيضاء عليه، وبالطبع لن يرفض له طلباً إن احتاجه، ولتبقى خيرات هذا الكرسي له ومن يعز عليه. إن المشكلة الحقيقية للمواطن تكمن في تغييب قانون (من أين لك هذا؟) الذي استخدمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كشرع إداري، لمحاسبة موظفيه أمام العامة، في خطبة استمع إليها الصغير قبل الكبير ليترسخ مفهوم الأمانة في نفوس الناشئة قبل الكبار، وفي صحيح البخاري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا فَجَاءَهُ الْعَامِلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. فَقَالَ: لَهُ أَفَلَا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لَا؟ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ فَتَشَهَّدَ، وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ الْعَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَنَظَرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ رُغَاءٌ وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ، فَقَدْ بَلَّغْتُ»

لقد حاسب رسول الله ابن اللتبية حساباً جماهيرياً في خطبة حضرها جم غفير من أصحابه، وحفظوها وتناقلوها، لأنه يؤمن أن هذا المجتمع الصغير سيكبر وأن أحد الأفراد الحاضرين اليوم سيكون مسؤولاً غداً، وأن حساب ابن اللتبية سيتكرر عليه، فكانت تربية عادلة للكبير والصغير، وقد سلك الخلفاء الراشدون بعد رسول الله هذه السياسية الإدارية العظيمة التي تستلزم محاكمة موظفي القطاع العام، خوفاً عليهم من الرشوة، ولقد صور رسول الله العذاب الشديد لمن تلقى بعيراً أو شاة رشوة، فما حال موظفي اليوم إذا جاء مع أحدهم أعداد مهولة من السيارات الفارهة والمباني الضخمة والأرصدة المفتوحة والأراضي الشاسعة، فالويل لمن غل مال الوطن، وكيف سيحمل على ظهره هذه الأدوار الشاهقة؟

إن شريعة (من أين لك هذا) تتغيب في الدول الإسلامية مع أن الذي أسسها رسول الإسلام، وتراها متبعة بدقة وصرامة في الدول غير المسلمة على المسؤولين كبيرهم قبل صغيرهم، وعادة ما يحتم هذا القانون على المسؤول تسجيل ما يملك قبل توليه منصبه من ثروة أياً كان نوعها ثم يحاسب بعد تركه المنصب أو أثناء توليه المنصب، على أي زيادة غير عادية في ثروته، وأحياناً ثروة أقاربه من زوجة وأولاد، وإخوة، وأخوات. اللاهثون خلف كراسي الذهب إن لم تحيا ضمائرهم بمراقبة الله، لنحييها بإحياء شرعة (من أين لك هذا؟) ولا سيما وقد سال لعاب بعضهم من أضخم موازنة، ولا سيما أن خادم الحرمين الشريفين يؤكد في كل مرة: (لا عذر للوزراء في أي تقصير أو تهاون).

التعليقات 22
امل وطموح
المملكة العربية السعودية
جزاكي الله خيرا
0
أعجبني
0
لم يعجبني
6 شعبان 1434