هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
4394900
أم المؤمنين في البقيع
الكاتب/المحاضر : د. نوال بنت عبدالعزيز العيد
عدد الزوار : 1428
تاريخ الإضافة : 23 ذو الحجة 1433
التقييم

 

في ليلة من ليالي المدينة بدأت خيوط القصة تنسج عند انقلاب النبي بعد العشاء إلى بيت عائشة ـ رضي الله عنها ـ والمبيت معها  ، وقد وضعت ثيابها ، ووضع النبي عليه الصلاة والسلام رداءه ، وحذاءه عندئذ تلقى النبي نداء خفيا من الوحي عليه السلام ، فأذعن له واستجاب لأمره ، لكنه انتظر رويدا حتى ظن أن الزوجة نعست ، فانسل بين يديها بخفة دونما حس أو جلبة ، وارتدى رداءه ، وانتعل بهدوء ، وغادر بلطف مخافة أن تنتبه من نومها فتذعر ، وترتاع من الوحدة إلا أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ لم تزل يقظى ، تشعر بانسحاب زوجها الحبيب ، فتهجم عليها هواتف  الغيرة وهمومها ، وينشغل بالها في رواح النبي ، فتسرع إلى درعها وخمارها ، وتتبع أثر زوجها وتحث المسير إليه ، لتراه في البقيع قائما يدعو  ، ويطيل الدعاء ، وتطيل الوقوف في جنح الظلام وسواد الليل ، فلما انعطف آيبا إلى بيتها سبقته إليه ، وهي تعدو مسرعة وارتمت على فراشها قبيل دخوله عليه السلام ، كانت الظلمة تلف أنحاء حجرتها والنبي يدنو منها ، وشبح السواد الذي لمحه آنفا يهز خياله الطاهر ، ويعكر فكره النقي ، وبالرغم من ذلك ضبط انفعالاته ، فلم ينفلت لسانه بالتهم والشكوك ، وإثارة الشبه بل تريث ، واقترب من زوجه ، ولا حظها وفحص حالها ، كان نفسها عاليا متواترا ، يدل يقينا على قيامها بجهد حركي كثيف ، وبالرغم من الملاحظة الدقيقة يحجم عن البوح بشأنها ، لتعترف هي بالواقع ، وتنطلق الحقيقة من لسانها إلا أنها تأبى ذلك حياء منه عليه السلام ، فتعتذر منه بقولها : " لا " لن أبوح بفعلي فيأمرها بعتاب ملح مؤثر " لتخبرني  ، أوليخبرني اللطيف الخبير " وفي الخطاب إشارة إلى كمال لطف المعبود سبحانه ، وعظيم خبرته ، وهو عتاب مؤثر في حالة التخطيط المضمر المحبوك ، يرد الحيرى إلى الحقيقة الثابتة التي ربما نسيتها أو غفلت عنها ، فتذعن لأمر رسول الله ، وتسرد قصتها ، ويزداد النبي يقينا بما ظنه منها ، ويسألها مؤكدا أنت السواد الذي رأيته أمامي ، فتقر أخرى : أ، نعم ، فلا عجب أن وكزها  ـ وقد بلغت مبلغ النساء ـ على صدرها بيده الشريفة ضربة واحدة أوجعتها تأديبا لها من سوء الظن به ، وتوقع الجور في حقها بأن يدخل في نوبتها غيرها ، وقال : " أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله ؟ " وقرن بينه وبين اسم الجلالة الله إشارة إلى التلازم بينهما ، وذكر الله لتعظيم قدر رسوله عليه الصلاة والسلام ،  ونسبة الجور والظلم إلى الرسول ترتبط بنسبته إلى ذي العدل سبحانه ، فالأمر خطير جدا ، ثم هاهي الزوجة الحبيبة تتقبل تبعات تصرفها ، وعاقبته من المعاتبة والمعاقبة بلا هياج أو تذمر ، وتستمر في حوارها الهادئ مع المصطفى فتقول في يقين " مهما يكتم الناس فقد علمه الله " فيجيبها الحبيب بقوله : " نعم " ثم حكى لها ما كان من أمره ونداء جبريل وانسحابه برفق وتمهل لئلا تستوحش ، وتقلق ، تأمل هذا البيان العذب والجواب المهذب واهنأ بدلالته و آدابه العميقة ، وانهل من عاطفته الرقيقة وتدبر ، استهلال القصة بسكينة وهدوء ، ثم وقوع الخلاف وتناوله بواقعية بعيدا عن المبالغة والتهويل والقيل والقال ، ومحاصرته بالحقائق  بلا  استفصال عن الدقائق  والخروج منه سريعا ليختم الحديث بأسلوب لطيف هادئ كما بدأ  ، إن خيوط هذه القصة تعطيك نموذجا عمليا وتجربة ناجحة ومثالا حيا لمعالجة مشكلة طارئة في بيت النبوة ، ومعاملتها بحكمة وحزم ، ومحاكمتها برفق وعدل ، فهل يعي الأزواج الطريقة المثلى لاحتواء المشكلات .

التعليقات 0