هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
4292933
كبير يرضع؟
الكاتب/المحاضر : د . نوال بنت عبد العزيز العيد
عدد الزوار : 1372
تاريخ الإضافة : 23 ذو الحجة 1433
التقييم

 

"رضاعة الكبير" فتوى صارت حديث الناس في مجالسهم و مندياتهم وعلى شاشة قنواتهم وفي أعمدة صحفهم، وأثارت جدلا واسعا، كان مذكي شرر هذه الفتوى فضيلة الشيخ عبد المحسن العبيكان ـ حفظه الله ـ حين أجاز رضاعة الكبير خروجا من الحرج لمن احتاجت ذلك، ومستندا على الحديث الذي أخرجه مسلم عن عَائِشَةَ أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ كَانَ مَعَ أَبِى حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ فِى بَيْتِهِمْ فَأَتَتْ - تَعْنِى ابْنَةَ سُهَيْلٍ - النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَإِنِّى أَظُنُّ أَنَّ فِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِى عَلَيْهِ وَيَذْهَبِ الَّذِى فِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ »  فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ إِنِّى قَدْ أَرْضَعْتُهُ فَذَهَبَ الَّذِى فِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ.زاد في طبقات ابن سعد: فكان يحُلب في مسعط أو إناء قدر رضعة، فيشربه سالم كل يوم، خمسة أيام. وكان بعد يدخل عليها وهو حاسر. رخصة من رسول الله لسهلة بنت سهيل.

   وزاد أبو داود و بذلك كانت عائشة رضي الله عنها تأمر بناتِ أخواتها وبناتِ إخوتها أن يرضعن مَنْ أحَبَتْ عائشة أن يراها ويدخل عليها- وإن كان كبيراً- خمس رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبى -صلى الله عليه وسلم- أن يدخلن عليهن من الناس بتلك الرضاعة حتى يرضعن فى المهد وقلن لعائشة رضى الله عنها : وَاللَّهِ مَا نَرَى هَذَا إِلاَّ رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِسَالِمٍ خَاصَّةً فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ.

    وقد ذهب عامة علماء المسلمين - ومنهم الأئمة الأربعة - إلى أن رضاع الكبير وهو من تجاوز السنتين سن الرضاع لا أثر له في ثبوت المحرمية، وحملوا حديث سالم على الخصوصية أو أنه قد نسخ حكمه بما جاء من أدلة أخرى بعده، منها: قوله تعالى{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) فوقت الله الرضاعة بالحولين،ولما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:"إنما الرضاعة من المجاعة"، وماثبت في جامع الترمذي : من حديث أم سلمة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:"لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" وقال الترمذي : حديث صحيح،  وفي سنن الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عباس يرفعه : [ لا رضاع إلا ما كان في الحولين ]

  ثم إن الناظر في نص حديث سهيلة يعلم أن هذ النص كان متقدما ،لأنه شق ذلك عليها بعد تحريم التبني، كما جاء في رواية النسائي:" جاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة رضي الله عنهما فقالت : يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا ،وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، وقد أنزل الله عز و جل فيهم ما علمت فكيف ترى فيه؟...الحديث" مما يدل على أن الرخصة كانت مرتبطة بحالة جاء الإسلام بتحريمها وهي التبني، فيجعل تعميم الحكم معها عسير.

    لكن قضية المقال ليست ترجيح رأي الجمهور في منع إرضاع الكبير، ومناقشة المبيحين، وإنما القضية تسرع البعض في نشر فتاوى جرت مجرى الخصوص لأشخاص معينين على وسائل سيارة مما يثير فتنة لدى بعض الناس، ويفتح بابا للتجرأ على النص الشرعي، وأهل الدين من خلال هذه الفتاوى، ورحم الله ابن مسعود يوم قال:" ما من رجل يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم" و صح علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: (( حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون ، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله )).

  إنّ  على من تصدر للفتوى أن يتّقيَ الله فيمَا يفتي به، ويوازن بين المصالح والمفاسد، ويقدم درأ المفسدة على جلب المصلحة، ويتأمل في فقه النص، ويفرق بين فتوى خاصة من رسول الله لأفراد علم رسول الله حالهم، وبين حكم شرعي عام قرره رسول الله، ألا فليتق الله المفتون في أنفسهم وفينا.

التعليقات 1