هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
4397566
ليلة العمر
الكاتب/المحاضر : د. نوال بنت عبدالعزيز العيد
عدد الزوار : 1429
تاريخ الإضافة : 23 ذو الحجة 1433
التقييم

 

قد يخال القارئ أني ممن يتبنى كتابة الروايات لأن عناوينها الآن على مثل هذه الجادة، وليس الأمر كذلك إن عنوان المقال يحمل ثقافة ليالي الإجازة القادمة لكثير من السيدات اللاتي بدأن بالاستعدادات لإحياء هذه الليالي زعموا لتكون هي الأبرز تلك الليلة، فتصير حديث المجالس.

 

   إن ما سأكتبه ليس فيلما يُعرض على شاشات السينما أو التلفاز ولا قصة دونت في أوراق بيضاء، وإنما هو واقع نعيشه ونتعايش فيه دون أن يكون لنا أثر في تقويمه وإصلاحه والحد منه،  بل التنازل السلبي نتيجة الضغط النسائي المجتمعي هو الحل القريب الأسهل الذي نسلكه في غالب الأحيان مع كثير من قضايانا ومشكلاتنا.

 

   إن هذه الليلة تمثل غالب ليالي الإجازة مع اختلاف الشخصيات والزمان والمكان والأحداث وتتفق في نفس الثقافة والهدف، إنها ليلة يبدأ الاستعداد لها باكرا، ساعات محدودة تستنزف جهدا ذهنيا وجسميا وماديا يسبقها بأشهر قد تطول وتقصر، يقتضي أن يرتب فيها حجز المكان بناء على القدرة المادية للمُضيف ولا مانع من أن يلحق الطرف الآخر الذي يمثل الرجل في غالب الأحيان الديون والأقساط من أجل دفع قيمة رسوم مكان تلك الليلة، ولابد بعد الحجز من دفع الأموال الطائلة على (بوكيهات) الورد التي  ستزين القاعة والطاولات  بل وقد يعلو الباب باقات كبيرة مصيرها بعد عدة ساعات إلى سلة المهملات، وكأننا نجمع المال لنحرقه ولكن بطريقة عجيبة غير مباشرة، ولن تنسى بطلة الليلة الطريقة التي لابد أن تسلكها للبروز والظهور لدى المدعوات، وكلما كانت الطريقة غريبة مريبة كانت رائعة مثيرة، فلامانع أن تزف العروس في تابوت أو على ظهر حصان يؤجر أو تصنع لها لؤلؤة كبيرة لتخرج منها عروس البحر أو تصمم لها أرجوحة لتتأرجح أمام الحاضرات، وسيُعد لها أثناء سيرها إلى المنصة أبيات مكسورة بألحان تعيسة تناسب ثقافتها بآلاف الريالات بحجة (ليلة العمر) التي يصير ضحيتها العريس المسكين الذي تمر السنوات وهو يسدد أقساط تلك الليلة التي خرجت النساء وعلى عادتهن بتتبع النقص والخلل والتعليق على كل كبيرة وصغيرة ، ورحم الله القائل(رضى الناس غاية لا تدرك) هذا غير ما ستدفعه على الفستان الذي سترتديه والمسكة التي ستمسك بها، والهدايا التي ستتحف بها الحاضرات، ولابد من البحث عن الغريب في كل شئ حتى في تناول المطعوم والمشروب، مما حدى ببعض السيدات السفر للخارج لإحضار أنواع من الشوكولا لاتوجد في البلد، والعجيب أنه كلما صغر حجم الشئ وكثر تعقيده وزاد ثمنه كلما كان أجود لدى الداعية والمدعوة على حد سواء، وأما طعام العشاء فسيكون بعد الفجر لأن المدعوات لم يتواجدن في القاعة إلا بعد منتصف الليل، وسيظل الرقص والغناء إلى طلوع الصبح، وسيظل المسكين ينتظر عروسه إن لم يكن معها على منصة الزفاف إلى ما بعد السابعة صباحا بحجة (ليلة العمر) وكأني به يدعو على من اختلق هذه الثقافة التي تهدف إلى استنزاف أموالنا ومسخ هويتنا، وأما عن من ستقوم على إحياء تلك الليلة(مطربة كانت أو طقاقة) فلابد من حساب حسابها وقد تتراوح مابين مئات الألوف إن كانت مشهورة إلى عشراتها إن كانت مغمورة، وصارت هذه المهنة مربحة أكثر من دخل الأستاذ الجامعي اليوم لأن هز الخصور ألزم من تغذية العقول.

 

    لست ممن يحب وصف الظاهرة أو يأخذ المساحات الطويلة لعرضها دون التركيز على علاجها، لكن مادفعني لذلك أن أشرك القارئ رجلا أو امرأة في تصور ما يستنزف من جهد مادي ومعنوي ترفي تلك الليلة لا يعود علينا إلا بالبلاء، مع أننا جميعا نسهم في ترويجه وتبنيه دون دفعه ومنعه بحجة(ليلة العمر) أليس الأجدى أن نفكر في حلول عاجلة وجادة لمكافحة هذه الظاهرة التي استشرت في مجتمعنا مع وجود حالات فقر كثيرة لا يجد فيها البعض ثمن إيجار البيت أو طعام الأطفال، أو يكون العائل للأسرة في غياهب السجون نتيجة سلفة مادية لحقته، أو ليس الأجدى أن تتحول أموال ليلة العمر إلى مشاريع  إصلاحيه يعود خيرها على العروسين ومجتمعهما القريب،  لقد أعجبتني فتاة دفعت أموال تلك الليلة لتدريب مجموعة من الأسر الفقيرة، وأقامت وليمة معتدلة تدل على فكر ناضج وثقافة واعية.

التعليقات 1