هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
5030389
غارت أمكم
الكاتب/المحاضر : د. نوال بنت عبدالعزيز العيد
عدد الزوار : 2619
تاريخ الإضافة : 23 ذو الحجة 1433
التقييم

 

تعال معي ندلف بيت الحبيب صلى الله عليه وسلم ،  ونرى أصحابه قد اجتمعوا حوله ينهلون من  معين علمه ، ونبع حكمته ، وتقع أبصارنا على زوجته عائشة ـ  رضي الله عنها ـ قد اشتغلت بإعداد الطعام لزوجها الحبيب ولضيوفه الكرام ، وبينما هي كذلك إذ تفاجأ بالخادم يحمل بين يديه صفحة فيها طعام ، قد بعثتها إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم إليه ، ولم ير صانعة طعام تجيد الطهي مثلها ، فتتحرك حمية الغيرة في خواطر عائشة ، وتحتدم عواطفها ، وتغتم لمرأى الطعام من ضرتها البارعة في الطهي  ، التي سبقتها في إرسال الطعام إلى زوجها وضيوفه في بيت عائشة  ، فلا تملك نفسها  حتى تضرب الإناء ، فيتصدع ويتناثر على الأرض بما فيه على مرأى ومسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه ، وذلك قبل فرض الحجاب ، وهو يلمح ذلك بطمأنينة وهدوء ، ويتنفس هموم حبيبته ، ويعذر الغيرى ، لأن لديه من الإنسانيات المرتفعة ، وفهم النفسيات مايعحز علماء النفس بأسرهم مجتمعين أن يأتوا على نقطة من بحره ، ويعرض الحبيب عن لومها وعتابها ، ويضرب عن تأديبها ولو  بالكلام  ، ويهوي بتواضعه الجم إلى فلق الصفحة ، وأشلاء الطعام فيجمعها من الأرض وهو يردد ، ويتودد بأرق عبارة ، وأعذب بيان ، و أجمل اعتذار .. " كلوا غارت أمكم " فيأمر أصحابه بعد أن جمع الطعام من  على الأرض أن  يأكلوا ، ويعتذر لعائشة لئلا يحمل صنيعها على مايذم بل على مايجري على عادة الضرائر من الغيرة ، فإنها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها ، وهي أمكم فلا ينبغي أن تعيبوا فعلها ، ألا ما أروع تلك الكلمات النبوية الندية المرضية التي يسدل بها الستار على المشهد المتكرر في بيت النبوة ،ـ ومع تقديره صلى الله لمشاعر الغيرة إلا أن المتعدي بالخطأ لا بد أن يتحمل خطأه ، فالصفحة المكسورة لا بد أن يرد نظيرها لأصحابها  ، فيأمر عائشة أن تدفع إناء بدل الإناء الذي تعدت عليه بالكسر ، فدفع الصفحة الصحيحة إلى المهدية وحبس المكسورة في بيت عائشة واقتصر على تغريم القصعة ، ولم يغرمها الطعام ، لأنه كان مهدى فإتلافه في حكم القبول ، فسوى بينهما  في الضمان " إناء كإناء " وهذا عين العدل ، ومحض القياس ، وتأويل القرآن وعلى هذا نص الإمام أحمد : فيمن كسر شيئا صحيحا إن كان يوجد مثله فمثله ، وإن لم يجد فقيمته .ألا ما أعظم ما كان عليه نبي هذه الأمة وهاديها من الرفق العظيم ، والصبر الجميل ، والتصرف الحكيم مع نسائه ـ رضي الله عنهن ـ و أثر ذلك الخلق القويم في تهدئة المشاعر الثائرة ، واحتواء الأزمات الطارئة ، وعلاجها ، وتفادي الأضرار المحتملة  ، أخرج ابن ماجة عن رجل من بني سوأة قال : قلت لعائشة : أخبريني عن خلق رسول الله ؟ قالت : أو ما تقرأ القرآن ( وإنك لعلى خلق عظيم ) قالت : كان رسول الله مع أصحابه ، فصنعت له طعاما ، وصنعت له حفصة طعاما ، فسبقتني حفصة فقلت للجارية انطلقي فاكفئي قصعتها ، فلحقتها وقد همت أن تضع بين يدي رسول الله ، فأكفأتها فانكسرت القصعة ، وانتشر الطعام ، قالت : فجمعها رسول الله ومافيها من الطعام على النطع وقال " كلوا غارت أمكم " ثم بعث بقصعتي فدفعها إلى حفصة ، فقال : " خذوا ظرفا مكان ظرفكم وكلوا مافيها " قالت : فما رأيت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم . سأترك لخيالك العنان يتصور نفسه مكان رسول الله ما هو فعل ، ثم ليراجع نفسه وليسر على إثر رسول الله ويقتد به ، فإن الله قد زكى عظيم خلقه . 

التعليقات 1