هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
4208923
ثقافة في خطر
الكاتب/المحاضر : د. نوال بنت عبدالعزيز العيد
عدد الزوار : 1353
تاريخ الإضافة : 23 ذو الحجة 1433
التقييم

 

     تأمل معي حال كثير من المسلمين اليوم سواء في أماكن التعليم أو في مجالسهم اليومية أو في نتاجهم الفكري المسموع أو المقروء على حد سواء، تقف على غياب روح النصوص الشرعية وحقيقة التمثيل الصحيح للإسلام الذي جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مما يجعلك تتساءل عن  السبب في غياب قيم الإسلام ومبادئه العظيمة عند بعض المنتسبين له؟

 

   إن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب التدبر للنص الشرعي، حتى صار هم كل مسلم كم يقرأ من القرآن، وكم يحفظ من السنة ولو لم يفهم معناها ويعمل بمقتضاها،ورحم الله الحسن البصري حين قال:" :"والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده ,حتى أن أحدهم ليقول :قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا واحدا,وقد والله  أسقطه كله ما ترى القرآن له في خلق و لا عمل" وكان ابن عمر يقول"كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها,ولكنهم رزقوا العمل بالقرآن, وآخر هذه الأمة يرزقون القرآن  ولا يرزقون العمل به" و صار القرآن عند البعض تناغيم، وترانيم في أتراحهم،  وبدل أن يكون الكتاب العظيم مصدر تصحيح الرؤى، وتقويم الأخلاق وتهذيب السلوك وبناء الحضارة أصبح نصوصا جامدة يقرؤها أهلها دون أن ينتفعوا بها، وهذا المزلق الخطير حذر منه رسول الله حين ذكر صفة الخوارج، فقال:( يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أمتي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بشيء وَلاَ صَلاَتُكُمْ إِلَى صَلاَتِهِمْ بشيء وَلاَ صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بشيء يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لاَ تُجَاوِزُ صَلاَتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) وفي رواية البخاري(ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ـ أي :حلوقهم) .

    والقراءة المجردة من التدبر قراءة لم يأمر بها الله، بل عاب على من فعلها حين  قال:( {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) وأخبر ـ سبحانه ـ أن بركة القرآن لا تنال إلا بتدبره (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)  وهل يستوي التدبر مع تلك التلاوة السطحية التي ليس فيها أي إحساس بالمعنى، أو إدراك للمقصد، أو غوص فيما وراء المعنى القريب لاستنتاج ما هو مطلوب لأنفسنا ومجتمعاتنا من مقومات نفسية واجتماعية، نستعيد بها الدور المفقود في الشهادة على الإنسانية وقيادتها إلى الخير؟.. بل نجد غياب بعض صفات عباد الرحمن التي وردت في القرآن الكريم، من أنهم قوم يقبلون على القراءة بحواسهم، فهم: يسمعون، ويبصرون، ومن ثم يعملون،ولا يليق بالمسلم أن يكو أصم مع صحة سمعه وأعمى مع جودة نظره لأن هذا يتنافى مع صفات عباد الرحمن الذين أرادهم الله: (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا)

 

    إن علينا أن نعيد قراءة القرآن والسنة بفهم وتدبر واستلهام لسنن الله في الأنفس والآفاق، و تعرف على مقومات الشهود الحضاري، والتعرف على  الوصايا والأحكام، وأنواع الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وما إلى ذلك مما يحتاج المسلمون إليه لاستئناف دورهم المفقود ، وهكذا كان السلف كانوا يقرؤون القرآن فيرتفعون إلى مستواه، أما نحن فنقرأ القرآن فنشده إلى مستوانا،وهذا ظلم للكتاب.

 

      والأمة التي نزل عليها القرآن فأعاد صياغتها، هي المعجزة التي تشهد للنبي عليه الصلاة والسلام بأنه أحسن تربية الأمم، وأحسن صياغة جيل قدم الحضارة القرآنية للخلق، ولما آمن العرب بالقرآن تحولوا تلقائيا إلى أمة تعرف الشورى وتكره الاستبداد، أمة يسودها العدل الاجتماعي ولا يعرف فيها نظام الطبقات، أمة تكره التفرقة العنصرية، وأخلاق الكبرياء والترفع على الشعوب، وصار البدوي ربعي بن عامر رضي الله عنه يقول لقائد الفرس: جئنا نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، وأصبحت الحضارة الإسلامية ثمرة لبناء القرآن للإنسان.

 

  وما نشهده اليوم من تنافس على حفظ القرآن والسنة لأمر يبعث على الفرح لأنه انعكاس لحرص ديني لدى المجتمع، لكن الأهم من ذلك أن نجعل الأفراد يعيشون حياتهم في ظل الوحيين، من خلال الدعوة إلى تدبر القرآن والسنة ونقلها من حيز النظرية إلى التطبيق ليخرج لنا جيل خلقه القرآن ينتج حضارة إسلامية لا تقل في شأنها عن حضارة أجداده، ومتى سنتبنى إعادة هذه الثقافة ثقافة الفهم والعمل؟

 

التعليقات 1