هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
4292932
(من أين لك هذا؟)
الكاتب/المحاضر : د. نوال بنت عبدالعزيز العيد
عدد الزوار : 1361
تاريخ الإضافة : 22 ذو الحجة 1433
التقييم

 

تابع الجميع ببالغ الأسى والحزن ماحصل لأهل جدة جراء هطول أمطار ما لبثت فرحتهم بها أن انقلبت إلى حزن، وانشغل الرأي بهذه القضية فتسابق الكتاب إلى ملء أعمدتهم بفكرة حول الحدث، وعقدت البرامج الإعلامية في القنوات الفضائية لمناقشته، وصار حديث العوام في مواقع الشبكة العنكبوتية والمجالس اليومية عن الأمطار وما خلفته وراءها من القتل والدمار، ومما خفف المعاناة كلمات خادم الحرمين تجاه هذا الخطب التي امتازت بشفافية عالية، وإنسانيات صادقة، واعترافات غير مسبوقة، فقد حز في نفس خادم الحرمين النتائج الكارثية لأمطار لا يمكن وصفها بالكارثية، وأن مثل هذه الأمطار تسقط على العديد من الدول،ومنها ما هو أقل من المملكة في الإمكانيات ولا ينتج عنها خسائر وأضرار مفجعة، وذكر أنه من المتعين تحديد الجهات والأشخاص المسؤولين عنه،وأن لديه حفظه الله الشجاعة الكافية للإفصاح عن ذلك والتصدي له بكل حزم،مستصحبا في ذلك تبرؤ النبي صلى الله عليه وسلم من صنيع بعض أصحابه فيما ندبهم إليه، وقد أمر بتشكيل لجنة تقصي الحقائق للتحقيق مع كل مقصر كانت نتيجة تقصيره وخطئه أرواح البشر، وذهبت عوائل بأكملها نتيجة تضييعه للأمانة.

 

   لكن السؤال الذي يطرح نفسه في مثل هذه الحوادث وغيرها ما سبق لجنة تقصي الحقائق من لجان، أين دورها على أرض الواقع؟ أم إنها لجان صورية لم يتجاوز عملها أوراق المكاتب وأسطحة الرفوف، ألم تتشكل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في يوم الإثنين من شهر صفر في عام 1428هـ في 19 فبراير عام 2007 م منذ قرابة الثلاثة أعوام، وكان في مقدمة أهدافها حماية النزاهة ومكافحة الفساد بشتى صوره ومظاهره وتحصين المجتمع السعودي ضد الفساد،و من آلياتها العمل بمبدأ المساءلة لكل مسؤول مهما كان موقعه وفقاً للأنظمة، ومع ذلك لم نسمع بمساءلة موظف صغير فضلا عن مسؤول كبير.

 

   إن المشكلة الحقيقة للمواطن تكمن في تغييب قانون( من أين لك هذا؟) الذي استخدمه رسول الله كشرع إداري لمحاسبة موظفيه أمام العامة في خطبة استعمها إليها الصغير قبل الكبير ليترسخ مفهوم الأمانة في نفوس الناشئة قبل الكبار، وفي صحيح البخاري  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا فَجَاءَهُ الْعَامِلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. فَقَالَ: لَهُ أَفَلَا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لَا؟ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ فَتَشَهَّدَ، وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ :أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ الْعَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَنَظَرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ رُغَاءٌ وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ فَقَدْ بَلَّغْتُ"

 

  لقد حاسب رسول الله ابن اللتبية حسابا جماهيريا في خطبة حضرها جم غفير من أصحابه وحفظوها وتناقلوها، لأنه يؤمن أن هذا المجتمع الصغير سيكبر وأن أحد الأفراد الحاضرين اليوم سيكون مسئولا في الغد، وأن حساب ابن اللتبية سيتكرر عليه، فكانت تربية عادلة للكبير والصغير، وقد سلك الخلفاء الراشدون بعد رسول الله هذه السياسية الإدارية العظيمة التي تستلزم محاكمة موظفي القطاع العام الذي أصبح (البخشيش) جزءا لايتجزأ من مدخولاتهم الوظيفية إلا من رحم الله، لقدتحدث رسول عن قواعد الخدمة المدنية في مجتمع ناشئ صغير كان الجوع يحتاطه، لكنها السياسية المحمدية الصالحة لكل زمان، ولقد صور رسول الله العذاب الشديد لمن تلقى بعيرا أو شاة رشوة ، فما حال موظفي اليوم إذا جاء مع أحدهم أسطولا من السيارات الفارهة والمباني الضخمة والأرصدة المفتوحة، في حين أنه لم يتمكن من سداد الأقساط المتراكمة قبل توليه، فالويل لمن غل مال الوطن، وكيف سيحمل على ظهره هذه الأدوار الشاهقة؟

 

 إن شريعة(من أين لك هذا) تتغيب في الدول الإسلامية مع أن الذي أسسها رسول الإسلام، وتراها متبعة بدقة وصرامة في الدول الكافرة على المسؤولين كبيرهم قبل صغيرهم، وعادة ما يحتم هذا القانون على المسؤول تسجيل ما يملك قبل توليه منصبه من ثروة أيا كان نوعها ثم يحاسب بعد تركه المنصب ـ او اثناء توليه المنصب، على أي زيادة غير عادية في ثروته، وأحيانا ثروة أقاربه من زوجة وأولاد، وإخوة، وأخوات.

 

فمتى سيرى المسلمون قانون(من أين لك هذا) واقعا يعيشونه، وينعمون بعدالته، وهل سنرى محاسبة المتسببين في كارثة جدة على أرض الواقع نسمع أخبار محاسبتهم ويذهب غيظ قلوبنا بمعاقبتهم، أم أن مصير لجنة تقصي الحقائق سيكون كمصير هيئة مكافحة الفساد؟

التعليقات 1