هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
3888282
الأعرابي في المسجد
الكاتب/المحاضر : د. نوال بنت عبدالعزيز العيد
عدد الزوار : 1006
تاريخ الإضافة : 22 ذو الحجة 1433
التقييم

 

جرت عادة الأعراب الذين يقطنون البوادي  أن يقضي أحدهم حاجته فيما يراه أمامه من الأماكن كما اعتاده في الصحراء التي يرعى فيها مواشيه ، ويضرب فيها خيمته ، لكن صاحبنا الأعر ابي في هذه المرة جرى له ما لم يكن بالحسبان ، إذ دخل في هذه المرة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد حصره البول ، فلم يجد بدا من قضاء حاجته في طرف المسجد الذي يدخله لأول مرة في حياته ، ولا يعرف ماهيته ، ولا لأي شئ وضع ، فرفع الأعرابي إزاره ، وبدأ فعليا في قضاء حاجته ، فاستثار موقفه الصحابة الذين تربوا على تنظيف المسجد ، وصيانته من النجاسات ، والتحرز من تلويثه ، وتعظيمه ،  فثاروا إليه قياما يصيحون به ، ويزجرونه ، و يقولون له : مه مه ، ورسول الله يرقب الموقف بهدوئه المعتاد ، وحكمته الفذة ، ورفقه العظيم ، ولأنه أرسى مدرسة الأصوليين ، وقرر بسيرته أن الكف للمصلحة الراجحة حتم ، و لا بد من دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما ، كان خاطره يجول بين مضار المنع ، ومصلحة قضاء الأعرابي من حاجته ، ولو مُنع لدار بين أمرين : إما أن يقطعه فيتضرر ، ويفضي هذا المنع إلا رفض الدين بعد الإقبال عليه ، لما أوقعه من الضرر على بدنه  ، وإما أن لايقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد ، ثم إن هذه المفسدة يسهل رفعها ، وتصحيح التصور الخاطئ الذي أنشأها ،  فأصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لأصحابه قائلا : " لا تزرموه " أي : لا تقطعوا بوله ، وفي رواية : " دعوه "  معللا لهم الدافع له على هذا التصرف الحكيم ، والروية المثلى : " إنما بعثتم ميسرين ، ولم تبعثوا معسرين " وكأني بالصحابة وقد استوقفتهم هذه العبارة الندية من مدرسة محمد التي قامت على الرفق بالناس ، ودفع الحرج عنهم ( ما يريد الله  ليجعل عليكم من حرج ) وقوله ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) وقوله ( يريد الله أن يخفف عنكم ) بل إن الله أشار في كتابه العزيز إلى إكسير النجاح في العلاقات الإنسانية " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك " فهي رحمة من الله نالته ونالتهم ، فجعلته صلى الله عليه وسلم رحيما بهم ، لينا معهم ، ولو كان فظا غليظ القلب ما تألفت حوله القلوب ، ولا تجمعت حوله المشاعر ، فالناس في حاجة إلى كنف رحيم ، وإلى رعاية فائقة ، وإلى بشاشة سمحة ، وإلى ود يسعهم ، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم ، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ، ولا يحتاج منم إلى عطاء ، ويحمل همومهم ، ولا يعنيهم بهمه ، ويجدون عنده دائما الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء ، وهكذا كان قلب ر سول الله ، وهكذا كانت حياته مع الناس ، ما غضب لنفسه قط ، ولاضاق صدره بضعفهم البشري ، ولا احتجز لنفسه شيئا من  أعراض هذه الحياة بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية ، ووسعهم حلمه وبره ، وعطفه ووده الكريم ، وما عاشره أحد إلا امتلأ قلبه بحبه ، وعودا على صاحبنا الأعرابي نجده واقفا ، والناس حوله ثائرون ، ورسول الله يهدؤهم ، ولما قضى الأعرابي بوله أراد رسول الله أن يعطيه درسا عمليا في صيانة المساجد قبل الدرس النظري ، وكأني به يوجه رسالة عميقة لأصحابه إن هذه المفسدة يمكن رفعها بذنوب من ماء ،  فهل يستدعي الموقف الصياح كله لا سيما مع جهل الأعرابي ، وأمام الأعرابي يأتي الصحابة بدلو الماء ويهراق على البول ، في حضرة رسول الله ، ثم يدني رسول الله الأعرابي قائلا له بخطاب يفيض علما وحلما وحكمة : "إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول والقذر ، إنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن " وتأمل معي هذا الخطاب التربوي العظيم الذي لم يصدره : بلم فعلت ، أو لا تفعل ، لأن عمل الأعرابي انتهى ، لكنه صلى الله عليه وسلم أمام تصور خاطئ حمل الأعرابي إلى البول في المسجد ، إن تصور الأعرابي قائم على استواء المسجد هذه البقعة التي يدخلها لأول مرة مع غيره من الأماكن ، فأراد رسول الله أن يقرر له صيانة هذا المسجد بل وكل مسجد ، ولذا جاءت الرواية بالجمع تنبيها منه عن الاحتراز الشديد من تلويث أماكن العبادة ، ومواضع السجود ، ثم علل لم بنيت المساجد للذكر والصلاة و قراءة القرآن وهذه الأعمال الصالحة تحتاج إلى طهارة ، وماكان من الأعرابي بعد هذا المشهد الأبوي الحاني من رسول الله إلى أن قال : بأبي أنت وأمي ، ويعلق سبب تفديته بأبيه وأمه أنه لم يؤنب ، ولم يسب " فصورة مع التحية لكل  معلم ومربي وداعية .

التعليقات 1