هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
4208946
السوق السوداء
الكاتب/المحاضر : د. نوال بنت عبدالعزيز العيد
عدد الزوار : 1385
تاريخ الإضافة : 22 ذو الحجة 1433
التقييم

 

  قد يخال القارئ أني سأكتب له عن السوق التي تتواجد  إلى جانب السوق الرسمية النظامية، وتتم من خلالها عمليات التبادل التجاري بعيدا عن رقابة السلطات المالية الحكومية المختصة، وتتسبب في إحداث فوضى اقتصادية، وعواقب مالية ، لكن السوق السوداء التي سأتحدث عنها ليست بأقل خطرا، و لا أدنى ضررا من هذه السوق النتنة؛ لأن المتاجرة فيها متاجرة بالعقول ، والتلاعب في أرجائها تلاعب بأرواح الناس، وأفكارهم ، ومن العجيب أن يكثر روادها و مبتاعيها في زمن الثورة التقنية، والتغلب على كثير من الصعوبات المعلوماتية، إن رواد هذه السوق يحملون قلوبا مظلمة جعلت شعار سوقهم السواد، يبيعون فيها الذمم والدين، ويبتاعون الألقاب المزيفة، والشهادات المزورة، ويهينون العلم، ويسيئون لأهله، وصار الواحد منهم يدفع الدولارات المعدودة ليصله الطرد البريدي المختوم حاملا شهادته الممهورة بخزيه، ووباله على مجتمعه، أو يدفع لسماسرة البحث العلمي المتواجدين في مواقعهم المظلمة حسيا وإلكترونيا، ليكتب له رسالة علمية، أو بحثا، وينسبه إلى الظالم نفسه، الخادع وطنه، الغاش مجتمعه ، الظان أن اللقب العلمي غاية لا حاجة تشد إلى وصولها الرحال، للإسهام الفعلي في الرقي بالفرد والمجتمع .

  و ما عليك لاكتشاف هذه السوق إلى أن تضرب على مؤشر الحاسوب على المواقع البحثية، لتجد نفسك أمام عشرات المواقع تحمل شعارات براقة خداعة لكل مفتون نقص إيمانه، وتدنى لديه المعيار الأخلاقي، وما كان حلما صعبا أصبح حقيقة في زمن ضياع الأمانة، ففي سبعة أيام ستحصل على درجة علمية تناسب معرفتك الضحلة، وترضي طموحك الكاذب.

   وإن حالفك الحظ لتكون أستاذا جامعيا تدرس مادة البحث العلمي لطلبة الدراسات العليا فضلا عن البكالوريوس، فلن يغيب عن بصرك وبصيرتك سارقو العلم، ومشجعو الكذبة، ولن يفجأك بحث نسبه أحد الطلاب لنفسه ، ودفع عليه ذمته قبل ثمنه الزهيد.

  وإن كنت متابعا لأخبار المجتمع، فلا شك أنك اطلعت في عام 2007 على اكتشاف 70 شهادة عليا مزورة لأستاذات جامعيات، يحملن تخصصات في : الحاسب الاآلي، واللغة الإنجليزية، والاقتصاد، ولوزارة الصحة نصيب فقد كشفت عن أربعة آلاف شهادة طبية مزورة من الداخل والخارج من بين 20870شهادة طبية قدمت لتدقيقها العام الماضي، اعتمد بعضها واستبعدت البقية، وكانت دول شرق آسيا تحتل النسبة الأكبر في التزوير! هذا ما تم اكتشافه، وماخفي أكثر وأعظم.

 إن قضية التزوير وشراء الشهادات ظاهرة عالمية قديمة حدت بالكونغرس الأمريكي أن يخصص لها جلسة استماع سنة 1924م، وفي أواخر السبعينات شكّلت أجهزة «إف بي آي» وحدة أمنية خاصة عرفت باسم «DipScam» لمواجهة هذه الظاهرة ولكن هذه الوحدة أُغلقت بعد تقاعد مديرها Allen Ezellأوائل التسعينيات الذي قدّر قيمة صناعة الشهادة المزورة بحوالي بليون دولار .

  وأمام هذا الطوفان الكاسح الذي لا عاصم فيه إلا من رحم الله، ليس علينا الإغراق في جلد الذات، وكشف السوءات، وإنما يتوجب علينا أن نفكر في حلول جذرية لمشكلة أخشى أن تصبح ظاهرة مجتمعية يكتوي بنارها عقول الأبناء قبل أجسادهم، ومن الحلول المهمة لاجتثاث هذه السوق من بلادنا أن نكثف تعليم القيم الإسلامية من أمانة وصدق وهمة عالية وعزة نفس تأبى على صاحبها أن ينسب ما ليس له، لأنه يقرأ في كتاب الله : " لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " ويقرأ في سنة رسول الله قوله صلى الله عليه وسلم : " من غشنا فليس منا"

  إن علينا اليوم تأصيل معنى الإحسان في نفوس الصغار والكبار على مبدأ يقوم على سلفية المنهج و عصرية الطرح، والتأكيد على رقابة الخالق قبل الخلق ، كما  إن علينا أن نضرب بيد من حديد على كل نفس تأمر صاحبها أن ينتحل لقبا لم يتعب على تحصيله، وأن تتحول الوسائل المفيدة إلى غايات تنبأ عن ضعف الضمير لدى صاحبها، لأن من أمن العقوبة أساء الأدب ، ومن لم تعصمه نفسه المطمأنة و اللوامة، أخافه سيف الحق وقسطاط العدالة، ولنشر الوعي المجتمعي دور كبير في تقليص هذه السوق السوداء، وأن قيمة الفرد لا تنحصر فيما يحمل من شهادات، وإنما فيما يحمل من فكر نير ومعلومات، وأعماله الملموسة في مجتمعه أكبر دليل على تفوقه ونجاحه ، وأن من لم ترفعه أمانته لن تنفعه شهادته.

التعليقات 3
Sh
A
السلام عليكم .. كل ماذكرتيه صحيح وقبل كل شيء العلم بالرأس ماهو بالقرطاس! كم من لقب دال غرنا-حتى لو كانت شهادته مصدقة-لكن ثقافته بطريقة كلامه وتفكيره أو حتى أخلاقه متحجرة ! تقدر تنتج بدون لقب الدال وتنتج افضل من أصحاب الشهادات ! انا الي مستغربة منه يا دكتورة في بعضهم أصحاب شهادة مزورة لكن بثقافتهم يستحقونها بجدارة ! طيب وش الله حادهم يكذبون ويشترونها وهم قدوة ! ثم ان كانوا حقاً مخدوعين كما فعل ذلك الداعية الشجاع الذي شق شهادته في المسجد لم اكن اعلم ! اذا لنحسن الظن بهم لكن لماذا الى الآن لا يعترفون ؟! هل يخافون من المواجهة ! ان الصورة اللامعة التي ظهروا عليها لن تتحطم ان صدقوا مع الله فان الناس ستصدق معهم .. وان الفضيحة الكبرى والخيبة الحقيقية حين يوم العرض الأكبر والله ياحظهم ان فضحوا في الدنيا تأديبا لهم -ان كانوا قاصدين-ولا في الآخرة الحمد لله الذي عافانا بما ابتلاهم وفضلنا على كثير من خلقه تفضيلا كثيرا ..
0
أعجبني
0
لم يعجبني
23 صفر 1434