هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
4421876
يوم الوشاح
الكاتب/المحاضر : د. نوال بنت عبدالعزيز العيد
عدد الزوار : 1540
تاريخ الإضافة : 22 ذو الحجة 1433
التقييم

 

في بيت من بيوتات العرب نشأت هذه الوليدة السوداء أمة أمينة تقوم بحوائج البيت من التنظيف والخدمة ، مما حدى بأرباب البيت بعد إعجابهم الشديد بما امتازت به من نبيل الأخلاق ، وحسن المعاملة أن يكافئوها بالعتق ، والشعور بالحرية التي لا يدرك قيمتها إلا من فقدها ، ومع ذلك تختار هذه الأمة المكث عند أسيادها بعد عتقها لأن محبتهم تضرب بأطنابها في القلب ولن تختار عليهم أحدا من العالمين ، وتمضي الليالي والأيام وتشب إحدى فتيات المنزل حتى يكون يوم  عرسها فتحتاج لمزيد من العناية والاهتمام في الهيئة والهندام ، فتلبس وشاحا أحمر قد  رصع باللآلئ والودع  ، وتريد العروس أن تدخل إلى المغتسل فتضع وشاحها الأحمر ، وتأتي حدياة ـ نوع من  أنواع الطيور ـ فتلمح هذا الوشاح ملقى على الأرض وبياض اللؤلؤ على حمرة الجلد صيرته كاللحم السمين ، فرحت الحدياة لظفرها بوجبة شهية دسمة ، و خرجت العروس من مغتسلها لتتفاجأ بفقدان وشاحها ، جالت الشكوك في خواطر أهل البيت ، وأشاروا بأصابع التهم إلى الوليدة السوداء ، ولإقامة الحجة والبرهان على سرقة الأمة بدأوا بعملية التفتيش ، وبدأ تجريد ملابسها حتى وصلوا إلى قبلها ففتشوه ، مخافة أن تكون قد خبأت الوشاح فيه ،  والوليدة تنظر إليهم وقد علاه من الكرب ما لا يعلمه إلا الله ، إذ كيف تتهم في أمانتها وهي تربية أيديهم ، وفي وسط رباعهم  ، ولم يعهدوا عليها إلا كل خير ، وفي وسط هذه الكربة وهي واقفة قد اطلعوا على عورتها وسوأتها يلهج لسانها بالدعاء إلى ناصر المظلوم ومجيب المضطر وكاشف الضر أن يظهر الحق ، ويكشف الزيغ ، فتُرفع  دعوتها إلى السماء ويأتي الفرج من الله سبحانه، وتأتي الحدياة فتقف على رؤوسهم وتلقي الوشاح بينهم  ، ويظهر للأمة عظيم رحمة الله بعباده ، لقد استجابت الأمة وقت كفرها إلى نداء الفطرة بخلوص الدعاء للرب ، فلم تلتفت إلى الصنم الذي طالما خدمته ورأت أسيادها يعظمونه ، لأنها أدركت وقت الكربة جزما أنه لاينفع ولا يضر إلا الله  ، والتوحيد مفزع أولياء الله وأعدائه  ، فأما أولياءه فينجيهم بالتوحيد من كربات الدنيا و الآخرة ، وأما أعداؤه فينجيهم من كربات الدنيا ، وبلجوء الأمة إلى الرب كان إرسال الطير الذي لا يفقه إلى نفس المكان الذي أخذ منه الوشاح رسالة من الله للعبيد بعاقبة الظلم ، لقد كرهت الأمة ذاك البيت الذي اتهمها بسرقة  الشئ الزهيد ، وتصحح مفهوما كان غائبا لديها وهو أنهم لا يصلحون لنوائب الدهر بل هم إحدى نوائبه ، وما زالت تذكر ما كانت تسمعه عن محمد النبي ، فرأت هذه الحادثة فرصة إلى أن تتعرف على ماكانت تسمعه وينتقل الخبر إلى المعاينة ، قدمت الوليدة إلى العظيم صلى الله عليه وسلم الذي كان مفتوح الصدر والدار لكل غريب ، يعلمه ويهديه وينقذه من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد ، فتستجيب الأمة إلى الدعوة المحمدية وتنضم إلى قافلة الإيمان وركب المؤمنين ، فتختار البيت الذي لايمكن أن يظلم  ربه لأنه عدل كتب العدل على نفسه ، وحرم الظلم بين عباده ، ستختار البيت الذي جزما سيكون لها عند استحكام الأزمات  ، وترادف الضوائق ، ستختار البيت الذي تشرف بخدمته ، وتنال بركة المبيت فيه ،  ستختار المسجد النبوي لتكون خادمة له وهذا ما يتناسب مع مهنتها قبل إسلامها ، فيُضرب لها حفش في المسجد ، والحفش البيت الصغير القريب السمك ، وتنال بركة جوار مسجد رسول الله وبيت رسوله صلى الله عليه وسلم أيضا ، فتكثر الذهاب والإياب على بيت رسول الله  لتسمع حديثه ، وتكحل ناظريها برؤيته ، وتأنس مع زوجاته ، و لاغرو أن يكون بيت النبي ملفى للضعفاء والمحتاجين والمساكين ، ويلفت انتباه عائشة تكرار هذه الأمة لبيت  شعر من الطويل  في كل مجلس :

ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا  ـ ـ ـ  ألا إنه  من بلدة الكفر أنجاني

لتسألها عائشة عن خبر البيت ، فتسرد خيوط قصتها العجيبة التي تحمل في طياتها رسالة إلى كل مهموم وصاحب بلية أن تباشير الصباح ونوره لا يكون إلا بعد ظلمة الليل وسواده ، و أن القطر بعد الجدب ، والثمر بعد معاناة الزرع " وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا "  وما أجمل بيت شعرها الذي يدل على أن راحة البال وسعة الصدر لا ترتبط  بالمسكن الواسع أو المركب الهنئ  وإنما ترتبط بنفس مطمئنة حتى لو سكنت حفشا .

التعليقات 3