هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
4790820
الرسائل المجانية
الكاتب/المحاضر : د. نوال بنت عبدالعزيز العيد
عدد الزوار : 1729
تاريخ الإضافة : 22 ذو الحجة 1433
التقييم

 

ينعم المجتمع السعودي هذين الشهرين بمكرمة الاتصالات السعودية من المكالمات المجانية التي انقضت الشهر المنصرم، مرورا بالرسائل القصيرة التي جاءت في هذا الشهر، ولعل شركة الاتصالات أرادت أن ترضي عشرين عميلا ذاقوا ويلات أخطائهم، وتجرعوا مرارة تقصيرهم، فجاءت هذه الهدايا من باب استرضاء الخواطر، والمحافظة على ما بقي من ماء وجه شركة الاتصالات، ليس هذا موضوع المقال، وإنما موضوعه ما عكست هذه الرسائل من الثقافة المجتمعية، لأن الرسالة تعكس فكر صاحبها حتى لو لم يعدها أو يكتبها، لكن إرساله لها يدلل على ثقافته وقناعاته.

 

لقد عكست الرسائل المجانية ثقافة مجتمع يسئ استخدام الشئ المجان (أو ما كان ببلاش) فترسل رسالة صوتية ليس فيها إلا (مادام الرسائل ببلاش حبيت أرسل لك تسمع صوتي) أو رسالة نصية لا تحمل مضمونا إلا مادام إنه بالمجان حبيت أرسل، ليست القضية هذه الرسائل الفارغة لكن القضية تصحيح الثقافة المغلوطة تجاه الشئ غير المدفوع، وهذا ما يجعلك تفهم سوء استخدام المرفقات العامة، أو الأشياء الحكومية، ومازالت ذاكرتي ترجع بي للوراء لأرى بعض منسوبات التعليم وهن يستخدمن أوراق الاختبارات لأغراض شخصية، وما عطل آلات التصوير المتكرر في المؤسسات الحكومية إلا انعكاس هذه الثقافة، وعليه فقس.

 

     كما عكست هذه الرسائل التسرع في النشر لمجرد أن ختمت الرسالة بـ (انشر تؤجر) ولاشك أن هذه الرسائل تعكس طبيعة مجتمع متدين، حريص على المسابقة إلى الخير، والدعوة إليه، لكن هذا لايبرر نشر الأحاديث الموضوعة التي يفوح من حروفها الضعف لكل صاحب فطرة سوية،  ومنهج قويم، أو الحملات التي لم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه الكرام كـ(حملة الاستغفار) وحملة(توحيد الدعاء)،  وأخرى تستجدي أهل المعروف بالتبرع لصالح المحتاجين مما يستدعي شرح الحالة بصورة مفصلة في بعض الرسائل، ليتولى القارئ تحويل ما تجود به نفسه على حساب المحتال، ومتسول القرن العشرين، وآخر يثبت بالتجربة والبرهان أن ما أتى به من بدعة تمثلت في التزام عدد معين من الأذكارأو قراءة دعاء أو اختيارمعين لبعض الآيات اخترعه المفتون  قد أدى نتائج مبهرة قصرت الدعوة المحمدية أن تدعو إليها، وتدل عليها، وكأن ديننا أضحى معملا للتجارب البشرية، ولم يعد وقفا على النصوص الشرعية، إلى آخر الأمثلة التي تضيق مساحة المقال على الإتيان ببعضها، ويستثير عجبك أسلوب الوصاية، وألفاظ الاستعلاء التي تختم بها الرسالة من ألفاظ الأمر، بل والتحذير من العقوبة العاجلة أو الآجلة إن وقفت الرسالة عندك،فما عليك إلا تنفيذ أوامر المرسل : ( انشر الرسائل بالمجان، لست في حل إن وقفت الرسالة عندك) وإن كان المرسل على حد كبير من الأدب المزعوم، فسيحتال للوصول إلى مراده، وسيغريك بكافة الوسائل لتسهم في النشر والترويج، وستقرأ( أرسلها إلى عشرة أشخاص وستسمع خبرا يسرك، أو سيشفى مريضك، أو يعود حبيبك) .

 

   وليت هؤلاء المتحمسين  تفقهوا في المنهج الشرعي لنشر الخير، ألم يقل الله في كتابه :( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً )  وتأمل كيف ختم الله الآية(اتبعتم الشيطان)  لأن عدم المراجعة في مظان الاشتباه إلى العلماء، والإشاعة إنما هو من الشيطان.

 

   وفي مقدمة صحيح مسلم عن رسول الله : ( من حدث عني  بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) وفي ( يرى ) ضبطان، بفتح الياء بمعنى يعلم، وبضمها بمعنى يظن، فنشر الحديث الذي يجزم الإنسان بوضعه أو يظن وضعه، يُدخله في زمرة الكاذبين، وما أكثر الكاذبين في عصر العولمة، وسرعة الاتصال، وما يضير الشخص أن يتثبت ويتبين قبل النشر، فلا يروج كذبا، ولا يضخم أرصدة السرقة والمحتالين، ولا يسهم في نشر بدعة، ولا الدعاية لمنتج ضار،لأن هذه الرسائل ستصطدم بفكر واع رباه القرآن وصحيح السنة.

 

    ثم إن تقرير الثواب والأجر لا يتوقف على سلامة النية والقصد فحسب، بل لابد فيه من متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقدير الأمور والعواقب عند كل عمل،ورحم الله ابن مسعود حين قال : إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحوا باب ضلالة، قالوا : والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال : وكم من مريد للخير لن يصيبه.

 

  إن علينا أن لا نسئ لنشر الخير من خلال الغفلة وضعف المنهج ، وأن نستثمر الرسائل المجانية للبناء لا الهدم، والإسهام في نشر العلم لا دعم الجهل، وأن نستثمر الرسائل المجانية لنشر الأحاديث الصحيحة، والمعلومات الثابتة.

التعليقات 2