هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
3994871
الفتوى
الكاتب/المحاضر : د. نوال العيد
عدد الزوار : 1351
تاريخ الإضافة : 21 ذو الحجة 1433
التقييم

 

 

رأى رجل ربيعة بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: اُستفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. ثم قال: ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السُراق. قال ابن القيم: فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدام من لاعلم عنده على الفتيا، وتوثبه عليها، .. وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب، ولا يبدي جوابا بإحسان.

كثرت الفتاوى من حولنا، ودخلها كل من يريد سواء عن علم أو بجهل، ولم يعد لفتاوى العلماء تأثير كبير في نفوس الناس. ولا شك أن لضياع هيبة الفتوى من النفوس أسباب متعددة، نذكر منها:

- التصدي للفتوى ممن ليس بأهل لها: أصبح لبعض الإعلاميين فتاوى كثيرة في موضوعات شتى، بغض النظر عن خلفيتهم الشرعية!!

وتعدد وسائل الاتصال الممثلة في الفضائيات والمواقع الالكترونية جذب أعدادا من غير مؤهلين للفتوى، والتنافس بين تلك الفضائيات والمواقع دفع اكثرها إلى محاولة استخدام الإثارة والتشويق لجذب أكبر عدد من المتلقين حتى لو كانت تلك الإثارة على حساب الحقيقة.

والخطورة هنا أن الكلمة أصبحت تنتقل الى أرجاء الكرة الأرضية وتبلغ ملايين البشر

- الهزيمة النفسية للمفتين: وهذا عامل في غاية الخطورة. فوجد من المفتين أمام ضغط العوامل السياسية التي تمر بها الأمة الإسلامية، وكثرة الدعاوى المغرضة وطعونهم في الإسلام، ومحاولة منهم لكي يبرروا للناس الواقع الذي يعيشون فيه، تجدهم أمام هذه الضغوط يتهاونون في أمر الدين، ويحاولون إضفاء صفات وأحوال جديدة عليه لكي يبرهنوا على أنه دين متطور ومناسب لهذا العصر.

 -  تضارب فتاوى المفتين: فتجد للموضوع الواحد أكثر من فتوى متعارضة، مما أضاع أثر الفتوى من النفوس. الشخص يتهاون بعد ذلك في السؤال عن أي شيء، أو يعمل بأيسر الآراء دون مراجعة أيٍ من المفتين.

   الفتوَى حكمٌ شرعيّ، والمفتي مخبِر عنِ الله في أنّ اللهَ أحَلَّ هذا أو حَرّم هذا أو أوجَبَ هذا، المفتي يخبِر عَن ربِّ العالمين، المفتي يتكَلَّم في الحلالِ والحرامِ مستنِدًا إلى دَليلٍ معتمِدًا على الدّليل أما الإفتاء بغير علم فهو من الكبائر، لأنه يتضمن الكذب على الله تعالى ورسوله، ويتضمن إضلال الناس. قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَاْلإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا َلا تَعْلَمُونَ ﴾ فقرن سبحانه وتعالى القول على الله بغير علم بالفواحش والبغي والشرك. الإفتاءُ بخلاف الحقِّ جريمةٌ نكراء، قال الله جل وعلا: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، أن النبي r قال: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً، ينتزعه من العباد. ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضّلوا وأضلوا.متفق عليه

وإذا فعل المستفتي بناء على الفتوى أمراً محرّماً أو أدّى العبادة المفروضة على وجه فاسد، حمل المفتي بغير علم إثمه، إن لم يكن المستفتي قصّر في البحث عمن هو أهل للفتيا، وإلا فالإثم عليهما، لقول النبي r: من أُفتي بغير علم، كان إثمه على من أفتاه.رواه أبوداود بسند حسن ومن هنا فلا مجال للمستفتي للتعلق بمقولة: " علقّها في رقبة عالم " التي شاعت بين العامة. فيظن المستفتي أنه قد نجا بسؤاله للمفتي وتحليل الأخير أو تحريمه للمسألة.

وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله r، يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول.وكثـر النقل عـن السلف أنهم كانوا إذا سئل أحـدهم عما لا يعلم أن يقـول للسائل: لا أدري،. وينبغي للمفتي أن يستعمل ذلك في موضعه ويعوّد نفسه عليه.وقد سُئل مالك عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وكان يقول: من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف خلاصه، ثم يجيب. وسئل عن مسألة، فقال: لا أدري. فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة! فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف.

ذهب عامة العلماء إلى أنه ليس للمفتي تتبع رخص المذاهب، بأن يبحث عن الأسهل من القولين أو الوجهين ويفتي به. ذلك أن الراجح في نظر المفتي هو في ظنه حكم اللّه تعالى، فتركه والأخذ بغيره لمجرد اليسر والسهولة استهانة بالدين، قال الإمام أحمد: لو أن رجلاً عمل بكل رخصة: لكان فاسقاً. وقال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم، أو قال: زلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله.

على أن الذاهبين إلى هذا القول لم يمنعوا الإفتاء بما فيه ترخيص إن كان له مستند صحيح. قال ابن القيم: لا يجوز للمفتي ... تتبع الرخص لمن أراد نفعه ... فإن حسن قصده في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك، بل استُحبّ، وقد أرشد الله نبيه أيوب عليه السلام إلى التخلص من الحنث: بأن يأخذ بيده ضغثاً فيضرب به المرأة ضربة واحدة ... فأحسن المخارج ما خلص من المآثم، وأقبح الحيل ما أوقع في المحارم.

    قال النووي: يحرم التساهل في الفتوى، ومن عرف به حرم استفتاؤه. فمن التساهل ألا يتثبت، ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر. فإن تقدمت معرفته بالمسئول عنه فلا بأس بالمبادرة، وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة. ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة، والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه، أو التغليظ على من يريد ضره. وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها، لتخليص من ورطة يمين ونحوها، فذلك حسن جميل. وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا، كقول سفيان: إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد.

يجب على المفتَى أن يتبصَّر في الأمور وينظُر مِن قربٍ ومٍن بعد حتى لا تكونَ الفتوَى مستغَلّة في أمورٍ لا خَيرَ فيها، وليعلَم حقيقةَ هذا السائلِ والمستفتي. ويدرِك الغايةَ من هذا السؤالِ الذي طرِح، هل يقصِد به المستفتي خيرًا، هل يريد به نفعًا، هل يريد به مصلحةً للأمة، أم أنّه يريد به ضَررًا وشرًّا.

إنّ المفتيَ لا بدَّ أن يتّقيَ الله فيمَا يفتي به، ويعلمَ المصالحَ من المفاسِد، ويقارن بينها، ويعلم أنّ مِن قواعدِ الشرع أنّ درأ المفاسِد مقدَّم على جلبِ المصالح، وأيضا فأنّ بعضَ النّاس قد لا يناسِبهم أن يعطَوا علمًا في بعضِ الأشياء لأنّ عقولهم لا تدرِك ما يقالُ لهم ولا يتصوّرون حقيقةَ ما يُقال لهم، فيأخذون الأمورَ على غيرِ وجهها الشرعيّ، وهذا بلا شكّ أنه سبَّب ضرَرًا على المسلمين وفي الحديثِ: ((إذا حدّثتَ قومًا بحديثٍ لا تحمله عقولهم فإنّ ذلك فتنةٌ لهم)) مسلم

فليتَّقِ الله المفتون في الأمور الشرعيّة، وليحاسبوا أنفسَهم قبلَ أن يحاسبَهم الله، وليراقِبوا اللهَ فيما يقولون، وليكن منهجهم واحداً مع العامة والخاصة؛ وأن يبتعدوا عن الأقوال الضعيفة والمرجوحة وعن تقديم العقل وإرضاء الجماهير ولتكن الفتوَى بعدَ التأنّي والبَصيرة، لا سيّما في الأمورِ العامّة التي تتَعلّق بمصالحِ الأمّة حتى لا تزِلَّ أقدامُ أقوامٍ قصُرت عقولُهم، وقلَّ إدراكهم، ولم يحيطوا بالنّصوصِ، ولم يفهَموا الأمورَ على فهمِها الصحيح، فيقعوا في الخطأ من حيث لا يشعرون.

 العمل على نشر العلم الشرعي بين أفراد الأمة، وتشجيع الناس على تلقي هذه العلوم، وتبصير الناس بأهميتها، حتى لا تقع الناس فريسة لمن يتلاعبون بالدين، ولنتيقن أن هذا العلم دين كما قال محمد بن سيرين، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.

فعلى الأمة أن تِكل النظر في مسائل العلم إلى أهله من العلماء العاملين وليس معنى إحاطة أصحاب العلوم التجريبية ببعض العلوم الشرعية أو نبوغهم في مجالهم أن هذا يعطيهم الحق للتصدي للإفتاء بين الناس.

وأخيراً فإن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة

إن بعض الناس يصنع أمرا محرما لا يجوز في الاستفتاء، تجده يأتي إلى أحد ليستفتيه راضيا بفتواه معتقدا أن ما يقوله هو دين الله، وهو الحق الذي يجب عليه التزامه فإذا أفتاه بشيء ولم تناسبه الفتوى إما لاستبعاده لها وإما لصعوبتها عليه في نظره ذهب يطلب مفتيا آخر، لعله يكون أنسب له، وهذا العمل حرام عليه فإن المطلوب في حق المستفتي أن يتحرى من يظنه أقرب إلى الحق لكثرة علمه وقوة ورعه فإذا غلب على ظنه أنه أقرب إلى الحق من غيره فليسأله ثم ليأخذ بقوله ولا يستفتي غيره إلا أن يتبين له بعد ذلك أنه مخطئ مخالف للكتاب أو السنة فحينئذ يأخذ بما دل عليه الكتاب والسنة وقد ذكر الله تعالى في كتابه وظيفة الإنسان إذا لم يكن له علم فقال  فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر]. فإذا كنت مأمورا بسؤال أهل العلم فإن العاقل لا بد أن يتحرى لدينه من هو أعلم وأورع والإنسان متى قام بالواجب فسأل من يظنه أقرب إلى الحق فقد برئت ذمته فيما بينه وبين الله:

قال ابن القيم: لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله ... ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو فليتركها. متفق عليه والمفتي والقاضي في هذا سواء، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه  تبيح له ما سأل عنه ... سواء تردّد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهل المفتي، أو محاباته في فتواه، أو عدم تقييده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرُّخص المخالفة للسُّنة، أو غير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها. فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي، يسأل ثانياً وثالثاً حتى تحصل له الطمأنينة، فإن لم يجد فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة.

التعليقات 0