هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
4293187
أبو الدحداح والعذق الرداح
الكاتب/المحاضر : د. نوال العيد
عدد الزوار : 1761
تاريخ الإضافة : 21 ذو الحجة 1433
التقييم

 

في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم  يأتي رجل شاكيا من أحد أصحابه الذي أراد أن يبتاع منه نخلة ليقيم بها بستانه ، ويصلح حائطه ، ونخلة جاره قد أعاقت عملية الإصلاح ، فيريد شفاعة النبي لدى هذا الجار لعله يمضي عملية البيع ، ويكون للموقف رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم ، وفي لفتة إنسانية  لجميع القادات السياسية والدينية أن أعباءهم و همومهم مهما كثرت لا ينبغي أن تحبسهم عن اهتمامات الناس البسيطة في نظرهم ، والخطيرة في نظر أصحابها ، وما كان من رسول الله إلا أن استعمل أسلوب الترغيب القائم على ربط  النفوس المتطلعة للخير والمتسابقة إليه بالآخرة ، لأن الدنيا لا تعني لأولئك القوم  شيئا ، فهي زهيدة في نظرهم ، تترفع أنفسهم الشريفة عن ابتغائها والتعلق بها ، وتأتي الكلمات المحمدية لجار الأنصاري : أعطه النخلة بنخلة في الجنة ، فيأبى الرجل إتمام عملية البيع ، ويحترم رسول الله رأيه ، لأنه يدعو إلى احترام الآراء ، وحماية الحريات بضوابطها ، ويسعد أبو الدحداح تلك الساعة ، ويرى أن العرض مغري ، وأن موضع السوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها  ، فكيف إذا كان الضمان على نخلة في الجنة من في الصادق المصدوق ، ويرى أن هذه النخلة تستحق أن ينخلع من جميع ماله ، وقد ظهر ربحه لأن تجارته مع الله ، وأنعم بمن تاجر مع الكريم سبحانه ، وربح بيعه ،  والمال لا يذهب بالإنفاق ، إنما هو قرض حسن مضمون عند الله   ، يضاعفه في الدنيا مالا وبركة وسعادة وراحة ، وفي الآخرة نعيما ومتاعا ، ورضى وقربى من الكريم سبحانه ، ويأتي العرض المغري من أبي الدحداح  لجار الأنصاري بأن ثمن نخلته حائط فيه ستمائة نخلة ، قد أقرضه الله ، فما كان من الرجل إلا أن أتم البيع ، وقبل العرض ، وتنازل عن النخلة مقابل الحائط ، ويسارع أبو الدحداح جذلا بما ظفر به لحائطه الذي يؤوي إليه أولاده وزوجته ، ليقف على باب الحائط زافا البشارة لهم ،  مناديا لزوجته : يا أم الدحداح ، فتجيبه : لبيك ، فيقول لها : أخرجي ، فقد أقرضت الحائط لربي عز وجل ، فما كان من المرأة الصالحة التي تعلم يقينا بأن فعل زوجها قد طاب ، وأنها لابد أن تكون عونا له على الطاعة ليشقا طريق الحياة إلى النعيم السرمدي ، أن قالت له بلهجة المؤمنة الثابتة : ربح بيعك يا أبا الدحداح ، و لما طاب قولها تأمل معي طيب فعلها ، لقد علمت أن الحائط لم يعد ملكا لهم ، فقد أقرضوه الله ، فهرعت إلى صبيانها لتخرج ما في أفواههم من ثمار الحائط ، وتنفض ما في أكمامهم  ، لتلقن أولادها درسا تطبيقيا في النفقة والأمانة معا ، حتى أفضت إلى الحائط الآخر ، وقد جاءت بشارة رسول الله لأبي الدحداح مكررة بأن ثمن حائطك أعظم من نخلة في الجنة ، لأنك أقرضت الكريم سبحانه ، ورسول الله يكرر مرارا : " كم من عذق رداح  لأبي الدحداح  في الجنة " ،  فأكرم بأبي الدحداح ، وبكل منفق ماله في مرضات الله ، ومقرض ربه قرضا حسنا ، وعجيب أن يشقى المرء في جمع ما يتركه لغيره ، وإذا لم يستفد المسلم من ماله فيما يصلح معاشه ، ويحفظ معاده ، فمم يستفيد بعد ؟ ولو فكر الإنسان في حقيقة ما يملك ، وفي عاقبته معه لرأى السماحة أفضل من الأثرة ، والعطاء خير من البخل "  وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين "

التعليقات 1