هل لديك وعي بالثقافة القانونية في المجتمع السعودي؟
نعم
0%
لا
100%
archive
archive
3603811
أفعمياوان أنتما
الكاتب/المحاضر : د. نوال العيد
عدد الزوار : 1196
تاريخ الإضافة : 24 شعبان 1433
PDF : 30 kb
التقييم

من سنن المرسلين ، وطريقة الذكر الحكيم مخاطبة الفطرة بالمنطق السوي ، ومحاورة الألباب بالمسلمات الواقعية لترتبط النفوس بخالقها سبحانه ، وتنصاع إلى توحيده وعبادته  عن رضى وقناعة ، ومنذ بواكر الدعوة كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم  امتطاء أسلوب الحوار الهادئ ، والمناقشة المثمرة مع أصحابه وأعدائه ، لتشرق في  النفوس أنوار الهداية ، والخير ، ولنعرض لأحد الحوادث النبوية مع نسائه لنستلهم العبر والفوائد ، يبدأ  مشهد الحوار بدخول رجل أجنبي هو : ابن أم مكتوم الأعمى في بيت  النبوة على بعض أزواجه وهما ، أم سلمة وميمونة  ـ رضوان الله عليهما ـ حين كانتا على هيأتهما في اللباس والزينة والتكشف ، فبادر رسول الله  إلى أمرهما بالحجاب والتستر ، وهناك انقدح في ذهنيهما سؤال مدهش  ، انطلق على خلفية ما تعلماه من النصوص والمعاني الشرعية في فرضية الحجاب ، فقالتا معا بفكر واحد ، وصوت واحد ، وتلقائية مباشرة ، وعفوية لم يسبق لها تخطيط " يا رسول الله " بنداء لطيف مهذب لا ينسى في ثورة المحاجة ، وتألق المناقشة : " أليس أعمى لا يبصر "ولا يعرفنا ، ولا يرى الصور والمحاسن ، ومن هذا الاستنكار يتولد سؤال آخر ، يتضمن معنى الاعتراض ، فكتماه لكمال الحياء ومنتهى الأدب وهو : فلماذا نحتجب ؟ فيجيبهن الحبيب صلى الله عليه وسلم  على الفور بشاهد من أنفسهن مادامت الشبهة قائمة حية في عقولهن  بهذا السؤال : " أفعمياوان أنتما ؟" إنها إضاءة لطيفة ، وتذكير هادئ بنعمة العافية من العمى ، وأداء حقها بالشكر لله تعالى : " ألستما تبصرانه "  استنكار تقريري رديف للسابق ، مؤكد له ، فبيت النبوة محفوف بمزيد من الصيانة والتعفف والاحتشام ، وعلى  نسائه الطاهرات  تتضاعف الحرمة ، و يغلظ الحجاب  ، لما لهن من الجلالة ، لمكانتهن من رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، لقد لمسنا عن قرب من خلال هذا الحوار الهادف القصير منهج النبي في إثراء الحوار برعاية الروح النقدية الرقيقة المنفعلة ، ودعمها بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي من شأنها أن توسع قاعدة الفهم والإدراك ، وتجعل الرؤية أكثر وضوحا وجلاء لكل زوايا القضية ومنحنياتها ، فيكون لهذا الإيضاح الباهر أثره الظاهر في دحض الشبه ، وإزالة الشك ، وهزيمة الباطل ، وترسيخ الحكم الشرعي ، وتعميق القناعة به  ، وسمعنا أيضا تلك  الكلمات بل قل تلك الرفرفات الوديعة الحبيبة السامية المحلقة من أفق محمد  صلى الله عليه وسلم ، وغيرته على أهله ، وكيف يستجيش بها مشاعر نسائه ، ويزكي أحاسيسهن لتشف ، وترق ، وتصفو ، مستعلية على رغائب النفس ، فتصبح أعظم مطاوعة لأمر الله عز وجل ، وإذعانا لحكمه  ، ألا ما أحوج المربين والمربيات إلى الوقوف مع كنوز السيرة  للاستفادة من المنهج النبوي في الاقناع ونقل الحكم الشرعي ، لقد كان بيد رسول الله ومن حقه إلزام نسائه بالحجاب عن ابن أم مكتوم ـ رضي الله عنه ـ دون تعليل ، لكن نفسه العظيمة تأبى عليه إلا حسن التربية والتهذيب لمن هم تحت يده ، ولا يكون ذلك  إلا لمن وفقه الله وألهمه حسن الخلق ، وأخذ الدين من مشكاة النبوة عن علم ومعرفة .

التعليقات 0